منتديات ابناء الدويم
كتاب الجامع لأحكام القرآن 613623
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة الواحة
سنتشرف بتسجيلك
شكرا كتاب الجامع لأحكام القرآن 829894
ادارة الواحة كتاب الجامع لأحكام القرآن 103798

منتديات ابناء الدويم
كتاب الجامع لأحكام القرآن 613623
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة الواحة
سنتشرف بتسجيلك
شكرا كتاب الجامع لأحكام القرآن 829894
ادارة الواحة كتاب الجامع لأحكام القرآن 103798

منتديات ابناء الدويم
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

منتديات ابناء الدويم

واحة ابناء الدويم
 
الرئيسيةأحدث الصورالتسجيلدخول

 

 كتاب الجامع لأحكام القرآن

اذهب الى الأسفل 
3 مشترك
كاتب الموضوعرسالة
فوزي عبد القادر موسى عبد
دويمابي برتبة لواء
فوزي عبد القادر موسى عبد


عدد الرسائل : 2478

كتاب الجامع لأحكام القرآن Empty
مُساهمةموضوع: كتاب الجامع لأحكام القرآن   كتاب الجامع لأحكام القرآن I_icon_minitimeالخميس 12 مايو - 16:16




قوله تعالى : {فَإِنْ تَوَلَّوْا} أي فإن أبوا حكمك وأعرضوا عنه {فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} أي يعذبهم بالجلاء والجزية والقتل ، وكذلك كان. وإنما قال : " بِبَعْضٍ" لأن المجازاة بالبعض كانت كافية في التدمير عليهم. {وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} يعني اليهود.
50- {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}
فيه ثلاث مسائل :
الأولى- قوله تعالى : {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} {أَفَحُكْمَ} نصب بـ {يَبْغُونَ} والمعنى : أن الجاهلية كانوا يجعلون حكم الشريف خلاف حكم الوضيع ؛ كما تقم في غير موضع ، وكانت اليهود تقيم الحدود على الضعفاء الفقراء ، ولا يقيمونها على الأقوياء الأغنياء ؛ فضارعوا الجاهلية في هذا الفعل
الثانية- روى سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن طاوس قال : كان إذا سألوه عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض يقرأ هذه الآية { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} فكان طاوس يقول : ليس لأحد أن يفضل بعض ولده على بعض ، فإن فعل لم ينفذ وفسخ ؛ وبه قال أهل الظاهر. وروي عن أحمد بن حنبل مثله ، وكرهه الثوري وابن المبارك وإسحاق ؛ فإن فعل ذلك أحد نفذ ولم يرد ، وأجاز ذلك مالك والثوري والليث والشافعي وأصحاب الرأي ؛ واستدلوا بفعل الصديق في نحله عائشة دون سائر ولده ، وبقوله عليه السلام : "فارجعه" وقوله : "فأشهد على هذا غيري" واحتج الأولون بقوله عليه السلام لبشير : "ألك ولد سوى هذا" قال نعم ، فقال : "أكلهم وهبت له مثل هذا" فقال لا ،
(6/214)



قال : "فلا تشهدني إذا فإني لا أشهد على جور" في رواية "وإني لا أشهد إلا على حق" . قالوا : وما كان جورا وغير حق فهو باطل لا يجوز. وقول : "أشهد على هذا غيري" ليس إذنا في الشهادة وإنما هو زجر عنها ؛ لأنه عليه السلام قد سماه جورا وامتنع من الشهادة فيه ؛ فلا يمكن أن يشهد أحد من المسلمين في ذلك بوجه. وأما فعل أبي بكر فلا يعارض به قول النبي صلى الله عليه وسلم ، ولعله قد كاه نحل أولاده نحلا يعادل ذلك.
فإن قيل : الأصل تصرف الإنسان في ماله مطلقا ، قيل له : الأصل الكلي والواقعة المعينة المخالفة لذلك الأصل لا تعارض بينهما كالعموم والخصوص. وفي الأصول أن الصحيح بناء العام على الخاص ، ثم إنه ينشأ عن ذلك العقوق الذي هو أكبر الكبائر ، وذلك محمد ، وما يؤدي إلى المحرم فهو ممنوع ؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" . قال النعمان : فرجع أبي فرد تلك الصدقة ، والصدقة لا يعتصرها الأب بالإنفاق وقوله : "فارجعه" محمول على معنى فاردده ، والرد ظاهر في الفسخ ؛ كما قال عليه السلام "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" أي مردود مفسوخ. وهذا كله ظاهر قوي ، وترجيح جلي في المنع.
الثالثة- قرأ ابن وثاب والنخعي {أَفَحُكْمَ} بالرفع على معنى يبغونه ؛ فحذف الهاء كما حذفها أبو النجم في قوله :
قد أصبحت أم الخيار تدعي ... على ذنبا كله لم أصنع
فيمن روى "كله" بالرفع. ويجوز أن يكون التقدير : أفحكم الجاهلية حكم يبغونه ، فحذف الموصوف. وقرأ الحسن وقتادة والأعرج والأعمش "أفحكم" بنصب الحاء والكاف وفتح الميم ؛ وهي راجعة إلى معنى قراءة الجماعة إذ ليس المراد نفس الحكم ، وإنما المراد الحكم ؛ فكأنه قال : أفحكم حكم الجاهلية يبغون. وقد يكون الحكم والحاكم في اللغة واحدا وكأنهم يريدون
(6/215)



الكاهن وما أشبهه من حكام الجاهلية ؛ فيكون المراد بالحكم الشيوع والجنس ، إذ لا يراد به حاكم بعينه ؛ وجاز وقوع المضاف جنسا كما جاز في قولهم : منعت مصر إردبها ، وشبهه.
وقرأ ابن عامر {تبْغُونَ} بالتاء ، الباقون بالياء.
قوله تعالى : {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} هذا استفهام على جهة الإنكار بمعنى : لا أحد أحسن ؛ فهذا ابتداء وخبر. و {حُكْماً} نصب على البيان. لقوله {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} أي عند قوم يوقنون.
51- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}
فيه مسألتان :
الأولى- قوله تعالى : {الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ} مفعولان لتتخذوا ؛ وهذا يدل على قطع الموالاة شرعا ، وقد مضى في {آل عمران} بيان ذلك. ثم قيل : المراد به المنافقون ؛ المعنى يا أيها الذين آمنوا بظاهرهم ، وكانوا يوالون المشركين ويخبرونهم بأسرار المسلمين. وقيل : نزلت في أبي لبابة ، عن عكرمة. قال السدي : نزلت في قصة يوم أحد حين خاف المسلمون حتى هم قوم منهم أن يوالوا اليهود والنصارى. وقيل : نزلت في عبادة بن الصامت وعبدالله بن أبي بن سلول ؛ فتبرأ عبادة رضي الله عنه من موالاة اليهود ، وتمسك بها ابن أبي وقال : إني أخاف أن تدور الدوائر. {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} مبتدأ وخبره ؛ وهو بدل على إثبات الشرع الموالاة فيما بينهم حتى يتوارث اليهود والنصارى بعضهم من بعض.
(6/216)



الثانية- قوله تعالى : {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ} أي يعضدهم على المسلمين {فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} بين تعالى أن حكمه كحكمهم ؛ وهو يمنع إثبات الميراث للمسلم من المرتد ، وكان الذي تولاهم ابن أبي ثم هذا الحكم باق إلى يوم القيامة في قطع المولاة ؛ وقد قال تعالى : {وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} وقال تعالى في {آل عمران} : {لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} وقال تعالى : {لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ} وقد مضى القول فيه. وقيل : إن معنى {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} أي في النصر {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} شرط وجوابه ؛ أي أنه قد خالف الله تعالى ورسوله كما خالفوا ، ووجبت معاداته كما وجبت معاداتهم ، ووجبت له النار كما وجبت لهم ؛ فصار منهم أي من أصحابهم.
52- {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ}
53- {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ}
قوله تعالى : {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} شك ونفاق ، وقد تقدم في {البقرة} والمراد ابن أبي وأصحابه {يُسَارِعُونَ فِيهِمْ} أي في موالاتهم ومعاونتهم. {يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} أي يدور الدهر علينا إما بقحط فلا يميزوننا ولا يفضلوا علينا ، وإما أن يظفر اليهود بالمسلمين فلا يدوم الأمر لمحمد صلى الله عليه وسلم. وهذا القول أشبه بالمعنى ؛ كأنه من دارت تدور ، أي نخشى أن يدور الأمر ؛ ويدل عليه قوله عز وجل : {فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ} ؛ وقال الشاعر :
يرد عنك القدر المقدورا ... ودائرات الدهر أن تدورا
(6/217)



يعني دول الدهر دائرة من قوم إلى قوم ، واختلف في معنى الفتح ؛ فقيل : الفتح الفصل والحكم ؛ عن قتادة وغيره. قال ابن عباس : أتى الله بالفتح فقتلت مقاتلة بني قريظة وسبيت ذراريهم وأجلي بنو النضير. وقال أبو علي : هو فتح بلاد المشركين على المسلمين. وقال السدي : يعني بالفتح فتح مكة. {أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ} قال السدي : هو الجزية. الحسن : إظهار أمر المنافقين المنافقين والإخبار بأسمائهم والأمر بقتلهم. وقيل : الخصب والسعة للمسلمين. {فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ} أي فيصبحوا نادمين على توليهم الكفار إذ رأوا نصر الله للمؤمنين ، وإذا عاينوا عند الموت فبشروا بالعذاب.
قوله تعالى : {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا} وقرأ أهل المدينة وأهل الشام : {يَقُولُ} بغير واو. وقرأ أبو عمرو وابن أبي إسحاق : {وَيَقُولَ} بالواو والنصب عطفا على {أَنْ يَأْتِيَ} عند أكثر النحويين ، التقدير : فعسى الله أن يأتي بالفتح وأن يقول. وقيل : هو عطف على المعنى ؛ لأن معنى {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ} وعسى أن يأتي الله بالفتح ؛ إذ لا يجوز عسى زيد أن يأتي ويقوم عمرو ؛ لأنه لا يصح المعنى إذا قلت وعسى زيد أن يقوم عمرو ، ولكن لو قلت : عسى أن يقوم زيد ويأتي عمرو كان جيدا. فإذا قدرت التقديم في أن يأتي إلى جنب عسى حسن ؛ لأنه يصير التقدير : عسى أن يأتي وعسى أن يقوم ، ويكون من باب قوله :
ورأيت زوجك في الوغى ... متقلدا سيفا ورمحا
وفيه قول ثالث : وهو أن تعطفه على الفتح ؛ كما قال الشاعر :
للبس عباءة وتقر عيني
ويجوز أن يجعل {أَنْ يَأْتِيَ} بدلا من اسم الله جل ذكره ؛ فيصير التقدير : عسى أن يأتي الله ويقول الذين آمنوا. وقرأ الكوفيون {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا} بالرفع على القطع من الأول. {أَهَؤُلاءِ} إشارة إلى المنافقين. {أَقْسَمُوا بِاللَّهِ} حلفوا واجتهدوا في الإيمان. {إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ}
(6/218)



أي قالوا إنهم ، ويجوز {إِنَّهُمْ} نصب بـ {أَقْسَمُوا} أي قال المؤمنون لليهود على جهة التوبيخ : أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهدا أيمانهم أنه يعينونكم على محمد. ويحتمل أن يكون من المؤمنين بعضهم لبعض ؛ أي هؤلاء الذين كانوا يحلفون أنهم مؤمنون فقد هتك الله اليوم سترهم. {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} بطلت بنفاقهم. {فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ} أي خاسرين الثواب. وقيل : خسروا في موالاة اليهود فلم تحصل لهم ثمرة بعد قتل اليهود وإجلائهم.
54- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}
فيه أربع مسائل :
الأولى- قوله تعالى : {مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ} شرط وجوابه {فَسَوْفَ} . وقراءة أهل المدينة والشام {مَنْ يَرْتَدِدْ} بدالين. الباقون {مَنْ يَرْتَدَّ} . وهذا من إعجاز القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم : إذ أخبر عن ارتدادهم ولم يكن ذلك في عهده وكان ذلك غيبا ، فكان على ما أخبر بعد مدة ، وأهل الردة كانوا بعد موته صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب إلا ثلاثة مسجد المدينة ، ومسجد مكة ، ومسجد جؤاثى ، وكانوا في ردتهم على قسمين : قسم نبذ الشريعة كلها وخرج عنها ، وقسم نبذ وجوب الزكاة واعترف بوجوب غيرها ؛ قالوا نصوم ونصلي ولا نزكي ؛ فقاتل الصديق جميعهم ؛ وبعث خالد بن الوليد إليهم بالجيوش فقاتلهم وسباهم ؛ على ما هو مشهور من أخبارهم.
(6/219)



الثانية- قوله تعالى : {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} في موضع النعت. قال الحسن وقتادة وغيرهما : نزلت في أبي بكر الصديق وأصحابه. وقال السدي : نزلت في الأنصار. وقيل : هي إشارة إلى قوم لم يكونوا موجودين في ذلك الوقت ، وأن أبا بكر قاتل أهل الردة بقوم لم يكونوا وقت نزول الآية ؛ وهم أحياء من اليمن من كندة وبجيلة ، ومن أشجع. وقيل : إنها نزلت في الأشعريين ؛ ففي الخبر أنها لما نزلت قدم بعد ذلك بيسير سفائن الأشعريين ، وقبائل اليمن من طريق البحر ، فكان لهم بلاء في الإسلام في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت عامة فتوح العراق في زمن عمر رضي الله عنه على يدي قبائل اليمن ؛ هذا أصح ما قيل في نزولها. والله أعلم. وروى الحاكم أبو عبدالله في "المستدرك" بإسناده : أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى أبي موسى الأشعري لما نزلت هذه الآية فقال : "هم قوم هذا" قال القشيري : فأتباع أبي الحسن من قومه ؛ لأن كل موضع أضيف فيه قوم إلى نبي أريد به الأتباع.
الثالثة- قوله تعالى : {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} {أَذِلَّةٍ} نعت لقوم ، وكذلك {أَعِزَّةٍ} أي يرأفون بالمؤمنين ويرحمونهم ويلينون لهم ؛ من قولهم : دابة ذلول أي تنقاد سهلة ، وليس من الذل في شيء. ويغلظون على الكافرين ويعادونهم. قال ابن عباس : هم للمؤمنين كالوالد للولد والسيد للعبد ، وهم في الغلظة على الكفار كالسبع على فريسته ؛ قال الله تعالى : {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} . ويجوز " أَذِلَّةً " بالنصب على الحال ؛ أي يحبهم ويحبونه في هذا الحال ، وقد تقدمت معنى محبة الله تعالى لعباده ومحبتهم له.
الرابعة- قوله تعالى : {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} في موضع الصفة أيضا. {وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ} بخلاف المنافقين يخافون الدوائر ؛ فدل بهذا على تثبيت إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ؛ لأنهم جاهدوا في الله عز وجل في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقاتلوا المرتدين بعده ، ومعلوم أن من كانت فيه هذه الصفات فهو ولي
(6/220)



لله تعالى. وقيل : الآية عامة في كل من يجاهد الكفار إلى قيام الساعة. والله أعلم. {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} ابتداء وخبر {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} أي واسع الفضل ، عليم بمصالح خلقه.
55- {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}
فيه مسألتان :
الأولى- قوله تعالى : {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} قال جابر بن عبدالله قال عبدالله بن سلام للنبي صلى الله عليه وسلم : إن قومنا من قريظة والنضير قد هجرونا وأقسموا ألا يجالسونا ، ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل ، فنزلت هذه الآية ، فقال : رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء. {وَالَّذِينَ} عام في جميع المؤمنين. وقد سئل أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم عن معنى {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} هل هو علي بن أبي طالب ؟ فقال : علي من المؤمنين ؛ يذهب إلى أن هذا لجميع المؤمنين. قال النحاس : وهذا قول بين ؛ لأن {الذين} لجماعة. وقال ابن عباس : نزلت في أبي بكر رضي الله عنه. وقال في رواية أخرى : نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عنه ؛ وقاله مجاهد والسدي ، وحملهم على ذلك قوله تعالى : {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} هي :
المسألة الثانية- وذلك أن سائلا سأل في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يعطه أحد شيئا ، وكان علي في الصلاة في الركوع وفي يمينه خاتم ، فأشار إلى السائل بيده حتى أخذه. قال الكيا الطبري : وهذا يدل على أن العمل القليل لا يبطل الصلاة ؛ فإن التصدق بالخاتم في الركوع عمل جاء به في الصلاة ولم تبطل به الصلاة. وقوله : {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} يدل على أن صدقة التطوع تسمى زكاة. ؛ فإن عليا تصدق بخاتمه في الركوع ، وهو نظير قوله تعالى : {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} وقد
(6/221)



انتظم الفرض والنفل ، فصار اسم الزكاة شاملا للفرض والنفل ، كاسم الصدقة وكاسم الصلاة ينتظم الأمرين.
قلت : فالمراد على هذا بالزكاة التصدق بالخاتم ، وحمل لفظ الزكاة على التصدق بالخاتم فيه بعد ؛ لأن الزكاة لا تأتي إلا بلفظها المختص بها وهو الزكاة المفروضة على ما تقدم بيانه في أول سورة {البقرة}. وأيضا فإن قبله {يُقِيمُونَ الصَّلاةَ} ومعنى يقيمون الصلاة يأتون بها في أوقاتها بجميع حقوقها ، والمراد صلاة الفرض. ثم قال : {وَهُمْ رَاكِعُونَ} أي النفل. وقيل : أفرد الركوع بالذكر تشريفا. وقيل : المؤمنون وقت نزول الآية كانوا بين متمم للصلاة وبين راكع. وقال ابن خويز منداد قوله تعالى : {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} تضمنت جواز العمل اليسير في الصلاة ؛ وذلك أن هذا خرج مخرج المدح ، وأقل ما في باب المدح أن يكون مباحا ؛ وقد روي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أعطى السائل شيئا وهو في الصلاة ، وقد يجوز أن يكون هذه صلاة تطوع ، وذلك أنه مكروه في الفرض. ويحتمل أن يكون المدح متوجها على اجتماع حالتين ؛ كأنه وصف من يعتقد وجوب الصلاة والزكاة ؛ فعبر عن الصلاة بالركوع ، وعن الاعتقاد للوجوب بالفعل ؛ كما تقول : المسلمون هم المصلون ، ولا تريد أنهم في تلك الحال مصلون ولا وجه المدح حال الصلاة ؛ فإنما يريد من يفعل هذا الفعل ويعتقده.
56- {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}
قوله تعالى : {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} أي من فوض أمره إلى الله ، وامتثل أمر رسوله ، ووالى المسلمين ، فهو من حزب الله. وقيل : أي ومن يتولى القيام بطاعة الله ونصرة رسوله والمؤمنين. {فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} قال الحسن : حزب الله جند الله. وقال غيره : أنصار الله قال الشاعر :
وكيف أضوى وبلال حزبي
(6/222)



أي ناصري. والمؤمنون حزب الله ؛ فلا جرم غلبوا اليهود بالسبي والقتل والإجلاء وضرب الجزية. والحزب الصنف من الناس. وأصله من النائبة من قولهم : حزبه كذا أي نابه ؛ فكأن المحتزبين مجتمعون كاجتماع أهل النائبة عليها. وحزب الرجل أصحابه. والحزب الورد ؛ ومنه الحديث "فمن فاته حزبه من الليل" . وقد حزبت القرآن. والحزب الطائفة. وتحزبوا اجتمعوا. والأحزاب : الطوائف التي تجتمع على محاربة الأنبياء. وحزبه أمر أي أصابه.
57- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}
روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن قوما من اليهود والمشركين ضحكوا من المسلمين وقت سجودهم فأنزل الله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً} إلى آخر الآيات. وتقدم معنى الهزء في {البقرة}. {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ} قرأه أبو عمرو والكسائي بالخفض بمعنى ومن الكفار. قال الكسائي : وفي حرف أبي رحمه الله {و مِنَ الْكُفَّارَ} ، و{مِنْ} ههنا لبيان الجنس ؛ والنصب أوضح وأبين. قاله النحاس. وقيل : هو معطوف على أقرب العاملين منه وهو قوله : {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} فنهاهم الله أن يتخذوا اليهود والمشركين أولياء ، وأعلمهم أن الفريقين اتخذوا دين المؤمنين هزوا ولعبا. ومن نصب عطف على {الَّذِينَ} الأول في قوله : {لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً - وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ} أي لا تتخذوا هؤلاء وهؤلاء أولياء ؛ فالموصوف بالهزؤ واللعب في هذه القراءة اليهود لا غير. والمنهي عن اتخاذهم أولياء اليهود والمشركون ، وكلاهما في القراءة بالخفض موصوف بالهزؤ واللعب. قال مكي : ولولا اتفاق الجماعة على النصب لاخترت الخفض ، لقوته في الإعراب وفي المعنى والتفسير والقرب من المعطوف
(6/223)



عليه. وقيل : المعنى لا تتخذوا المشركين والمنافقين أولياء ؛ بدليل قولهم : {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} والمشركون كل كفار ، لكن يطلق في الغالب لفظ الكفار على المشركين ؛ فلهذا فصل ذكر أهل الكتاب من الكافرين.
الثانية- قال ابن خويز منداد : هذه الآية مثل قوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} و {لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ} تضمنت المنع من التأييد والانتصار بالمشركين ونحو ذلك. وروى جابر : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد الخروج إلى أحد جاءه قوم من اليهود فقالوا : نسير معك ؛ فقال عليه الصلاة والسلام : "إنا لا نستعين على أمرنا بالمشركين" وهذا هو الصحيح من مذهب الشافعي. وأبو حنيفة جوّز الانتصار بهم على المشركين للمسلمين ؛ وكتاب الله تعالى يدل على خلاف ما قالوه مع ما جاء من السنة ذلك. والله أعلم.
58- {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ}
فيه اثنتا عشرة مسألة :
الأولى- قال الكلبي : كان إذا أذن المؤذن وقام المسلمون إلى الصلاة قالت اليهود : قد قاموا لا قاموا ؛ وكانوا يضحكون إذا ركع المسلمون وسجدوا وقالوا في حق الأذان : لقد ابتدعت شيئا لم نسمع به فيما مضى من الأمم ، فمن أين لك صياح مثل صياح العير ؟ فما أقبحه من صوت ، وما أسمجه من أمر. وقيل : إنهم كانوا إذا أذن المؤذن للصلاة تضاحكوا فيما بينهم وتغامزوا على طريق السخف والمجون ؛ تجهيلا ، وتنفيرا للناس عنها وعن الداعي إليها. وقيل : إنهم كانوا يرون المنادي إلي بمنزلة اللاعب الهازئ بفعلها ، جهلا منهم بمنزلتها ؛ فنزلت هذه الآية ، ونزل قوله سبحانه : {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً} والنداء الدعاء برفع الصوت ، وفد يضم مثل الدعاء والرغاء. وناداه مناداة ونداء أي صاح به. وتنادوا أي نادى
(6/224)



بعضهم بعضا. وتنادوا أي جلسوا في النادي ، وناداه جالسه في النادي. وليس في كتاب الله تعالى ذكر الأذان إلا في هذه الآية ، أما أنه ذكر في الجمعة على الاختصاص.
الثانية- قال العلماء : ولم يكن الأذان بمكة قبل الهجرة ، وإنما كانوا ينادون "الصلاة جامعة" فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم وصرفت القبلة إلى الكعبة أمر بالأذان ، وبقي "الصلاة جامعة" للأمر يعرض. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أهمه أمر الأذان حتى أريه عبدالله بن زيد ، وعمر بن الخطاب ، وأبو بكر الصديق رضي الله عنه. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم سمع الأذان ليلة الإسراء في السماء ، وأما رؤيا عبدالله بن زيد الخزرجي الأنصاري وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما فمشهورة ؛ وأن عبدالله بن زيد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ليلا طرقه به ، وأن عمر رضي الله عنه قال : إذا أصبحت أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالا فأذن بالصلاة أذان الناس اليوم. وزاد بلال في الصبح "الصلاة خير من النوم" فأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وليست فيما أري الأنصاري ؛ ذكره ابن سعد عن ابن عمر. وذكر الدارقطني رحمه الله أن الصديق رضي الله عنه أري الأذان ، وأنه أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلالا قبل أن يخبره الأنصاري ؛ ذكره في كتاب "المدبج" له في حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي بكر الصديق وحديث أبي بكر عنه.
الثالثة- واختلف العلماء في وجوب الأذان والإقامة ؛ فأما مالك وأصحابه فإن الأذان عندهم إنما يجب في المساجد للجماعات حيث يجتمع الناس ، وقد نص على ذلك مالك في موطئه. واختلف المتأخرون من أصحابه على قولين : أحدهما : سنة مؤكدة واجبة على الكفاية في المصر وما جرى مجرى المصر من القرى. وقال بعضهم : هو فرض على الكفاية. وكذلك اختلف أصحاب الشافعي ، وحكى الطبري عن مالك قال : إن ترك أهل مصر الأذان عامدين أعادوا الصلاة ؛ قال أبو عمر : ولا أعلم اختلافا في وجوب الأذان جملة على أهل المصر ؛ لأن الأذان هو العلامة الدالة المفرقة بين دار الإسلام ودار الكفر ؛ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم
(6/225)



إذا بعث سرية قال لهم : "إذ سمعتم الأذان فأمسكوا وكفوا وإن لم تسمعوا الأذان فأغيروا - أو قال - فشنوا الغارة" . وفي صحيح مسلم قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغير إذا طلع الفجر ، فإن سمع الأذان أمسك وإلا أغار الحديث وقال عطاء ومجاهد والأوزاعي وداود : الأذان فرض ، ولم يقولوا على الكفاية. قال الطبري : الأذان سنة وليس بواجب. وذكر عن أشهب عن مالك : إن ترك الأذان مسافر عمدا فعليه إعادة الصلاة. وكره الكوفيون أن يصلي المسافر بغير أذان ولا إقامة ؛ قالوا : وأما ساكن المصر فيستحب له أن يؤذن ويقيم ؛ فإن استجزأ بأذان الناس وإقامتهم أجزأه. وقال الثوري : تجزئه الإقامة عن الأذان في السفر ، وإن شئت أذنت وأقمت. وقال أحمد بن حنبل : يؤذن المسافر على حديث مالك بن الحويرث. وقال داود : الأذان واجب على كل مسافر في خاصته والإقامة ؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث ولصاحبه : "إذا كنتما في سفر فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما" خرجه البخاري وهو قول أهل الظاهر. قال ابن المنذر : ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمالك بن الحويرث ولابن عم له : " إذا سافرتما فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما" . قال ابن المنذر : فالأذان والإقامة واجبان على كل جماعة في الحضر والسفر ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالأذان وأمره على الوجوب. قال أبو عمر : واتفق الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور والطبري على أن المسافر إذا ترك الأذان عامدا أو ناسيا أجزأته صلاته ؛ وكذلك لو ترك الإقامة عندهم ، وهم أشد كراهة لتركه الإقامة. واحتج الشافعي في أن الأذان غير واجب وليس فرضا من فروض الصلاة بسقوط الأذان للواحد عند الجمع بعرفه والمزدلفة ، وتحصيل مذهب مالك في الأذان في السفر كالشافعي سواء.
الرابعة- واتفق مالك والشافعي وأصحابهما على أن الأذان مثنى والإقامة مرة مرة ، إلا أن الشافعي يربع التكبير الأول ؛ وذلك محفوظ من روايات الثقات في حديث أبي محذورة ،
(6/226)



وفي حديث عبدالله بن زيد ؛ قال : وهي زيادة يجب قبولها. وزعم الشافعي أن أذان أهل مكة لم يزل في آل أبي محذورة كذلك إلى وقته وعصره. قال أصحابه : وكذلك هو الآن عندهم ؛ وما ذهب إليه مالك موجود أيضا في أحاديث صحاح في أذان أبي محذورة ، وفي أذان عبدالله بن زيد ، والعمل عندهم بالمدينة على ذلك في آل سعد القرظي إلى زمانهم. واتفق مالك والشافعي على الترجيع في الأذان ؛ وذلك رجوع المؤذن إذا قال : "أشهد أن لا إله إلا الله مرتين أشهد أن محمدا رسول الله مرتين" رجع فمد من صوته جهده. ولا خلاف بين مالك والشافعي في الإقامة إلا قوله : "قد قامت الصلاة" فإن مالكا يقولها مرة ، والشافعي مرتين ؛ واكثر العلماء على ما قال الشافعي ، وبه جاءت الآثار. وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن حي : الأذان والإقامة جميعا مثنى مثنى ، والتكبير عندهم في أول الأذان والإقامة "الله أكبر" أربع مرات ، ولا ترجيع عندهم في الأذان ؛ وحجتهم في ذلك حديث عبدالرحمن بن أبي ليلى قال : حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن عبدالله بن زيد جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، رأيت في المنام كأن رجلا قام وعليه بردان أخضران على جذم حائط فأذن مثنى وأقام مثنى وقعد بينهما قعدة ، فسمع بلال بذلك فقام وأذن مثنى وقعد قعدة وأقام مثنى ؛ رواه الأعمش وغيره عن عمر بن مرة عن ابن أبي ليلى ، وهو قول جماعة التابعين والفقهاء بالعراق. قال أبو إسحاق السبيعي : كان أصحاب علي وعبدالله يشفعون الأذان والإقامة ؛ فهذا أذان الكوفيين ، متوارث عندهم به العمل قرنا بعد قرن أيضا ، كما يتوارث الحجازيون ؛ فأذانهم تربيع التكبير مثل المكيين. ثم الشهادة بأن لا إله إلا الله مرة واحدة ، وأشهد أن محمدا رسول الله مرة واحدة ، ثم حي على الصلاة مرة ، ثم حي على الفلاح مرة ، ثم يرجع المؤذن فيمد صوته ويقول : أشهد أن لا إله إلا الله - الأذان كله - مرتين مرتين إلى آخره. قال أبو عمر : ذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وداود بن علي ومحمد بن جرير الطبري إلى إجازة القول بكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحملوه على الإباحة والتخيير ، قالوا : كل ذلك جائز ؛ لأنه قد ثبت عن رسول الله
(6/227)



صلى الله عليه وسلم جميع ذلك ، وعمل به أصحابه ، فمن شاء قال : الله أكبر مرتين في أول الأذان ، ومن شاء قال ذلك أربعا ، ومن شاء رجع في أذانه ، ومن شاء لم يرجع ، ومن شاء ثنى الإقامة ، ومن شاء أفردها ، إلا قوله : "قد قامت الصلاة" فإن ذلك مرتان مرتان على كل حال!!.
الخامسة- واختلفوا في التثويب لصلاة الصبح - وهو قول المؤذن : الصلاة خير من النوم - فقال مالك والثوري والليث : يقول المؤذن في صلاة الصبح - بعد قوله : حي على الفلاح مرتين - الصلاة خير من النوم مرتين ؛ وهو قول الشافعي بالعراق ، وقال بمصر : لا يقول ذلك. وقال أبو حنيفة وأصحابه : يقوله بعد الفراغ من الأذان إن شاء ، وقد روي عنهم أن ذلك في نفس الأذان ؛ وعليه الناس في صلاته الفجر. قال أبو عمر روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي محذورة أنه أمره أن يقول في أذان الصبح : "الصلاة خير من النوم" . وروي عنه أيضا ذلك من حديث عبدالله بن زيد. وروي عن أنس أنه قال : من السنة أن يقال في الفجر "الصلاة خير من النوم". وروي عن ابن عمر أنه كان يقوله ؛ وأما قول مالك في "الموطأ" أنه بلغه أن المؤذن جاء إلى عمر بن الخطاب يؤذنه بصلاة الصبح فوجده نائما فقال : الصلاة خير من النوم ؛ فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح فلا أعلم أن هذا روي عن عمر من جهة يحتج بها وتعلم صحتها ؛ وإنما فيه حديث هشام بن عروة عن رجل يقال له "إسماعيل" فأعرفه ؛ ذكر ابن أبي شيبة حدثنا عبدة بن سليمان عن هشام بن عروة عن رجل يقال له "إسماعيل" قال : جاء المؤذن يؤذن عمر بصلاة الصبح فقال : "الصلاة خير من النوم" فأعجب به عمر وقال للمؤذن : "أقرها في أذانك". قال أبو عمر : والمعنى فيه عندي أنه قال له : نداء الصبح موضع القول بها لا هاهنا ، كأنه كره أن يكون منه نداء آخر عند باب الأمير كما أحدثه الأمراء بعد. قال أبو عمر : وإنما حملني على هذا التأويل وإن كان الظاهر من الخبر خلافه ؛ لأن التثويب في صلاة الصبح أشهر عند العلماء ، والعامة من أن يظن بعمر رضي الله عنه أنه جهل شيئا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم
(6/228)



وأمر به مؤذنيه ، بالمدينة بلالا ، وبمكة أبا محذورة ؛ فهو محفوظ معروف في تأذين بلال ، وأذان أبي محذورة في صلاة الصبح للنبي صلى الله عليه وسلم ؛ مشهور عند العلماء. روى وكيع عن سفيان عن عمران بن مسلم عن سويد بن غفلة أنه أرسل إلى مؤذنه إذا بلغت "حي على الفلاح" فقل : الصلاة خير من النوم ؛ فإنه أذان بلال ؛ ومعلوم أن بلالا لم يؤذن قط لعمر ، ولا سمعه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة بالشام إذ دخلها.
السادسة- وأجمع أهل العلم على أن من السنة ألا يؤذن للصلاة إلا بعد دخول وقتها إلا الفجر ، فإنه يؤذن لها قبل طلوع الفجر في قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور ؛ وحجتهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم" . وقال أبو حنيفة والثوري ومحمد بن الحسن : لا يؤذن لصلاة الصبح حتى يدخل وقتها لقول رسول الله صلى الله علي وسلم لمالك بن الحويرث وصاحبه : "إذا حضرت الصلاة فأذنا ثم أقيما وليؤمكما أكبركما" وقياسا على سائر الصلوات. وقالت طائفة من أهل الحديث : إذا كان للمسجد مؤذنان أذن أحدهما قيل طلوع الفجر ، والآخر بعد طلوع الفجر.
السابعة- واختلفوا في المؤذن يؤذن ويقيم غيره ؛ فذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابهم إلى أنه لا بأس بذلك ؛ لحديث محمد بن عبدالله بن زيد عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره إذ رأى النداء في النوم أن يلقيه على بلال ؛ ثم أمر عبدالله بن زيد فأقام. وقال الثوري والليث والشافعي : من أذن فهو يقيم ؛ لحديث عبدالرحمن بن زياد بن أنعم عن زياد بن نعيم عن زباد بن الحرث الصدائي قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان أول الصبح أمرني فأذنت ، ثم قام إلى الصلاة فجاء بلال ليقيم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن أخا صداء أذن ومن أذن فهو يقيم" . قال أبو عمر :
(6/229)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
فوزي عبد القادر موسى عبد
دويمابي برتبة لواء
فوزي عبد القادر موسى عبد


عدد الرسائل : 2478

كتاب الجامع لأحكام القرآن Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتاب الجامع لأحكام القرآن   كتاب الجامع لأحكام القرآن I_icon_minitimeالخميس 12 مايو - 16:20






عبدالرحمن بن زياد هو الإفريقي ، وأكثرهم يضعفونه ، وليس يروي هذا الحديث غيره ؛ والأول أحسن إسنادا إن شاء الله تعالى. وإن صح حديث الإفريقي فإن من أهل العلم من يوثقه ويثني عليه ؛ فالقول به أولى لأنه نص في موضع الخلاف ، وهو متأخر عن قصة عبدالله بن زيد مع بلال ، والآخر ؛ فالآخر من أمر رسول الله أولى أن يتبع ، ومع هذا فإني أستحب إذا كان المؤذن واحدا راتبا أن يتولى الإقامة ؛ فإن أقامها غيره فالصلاة ماضية بإجماع ، والحمد لله.
الثامنة- وحكم المؤذن أن يترسل في أذانه ، ولا يطرب به كما يفعله اليوم كثير من الجهال ، بل وقد أخرجه كثير من الطغام والعوام عن حد الإطراب ؛ فيرجعون فيه الترجيعات ، ويكثرون فيه التقطيعات حتى لا يفهم ما يقول ، ولا بما به يصول. روى الدارقطني من حديث ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال : كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذن يطرب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن الأذان سهل سمح فإن كان أذانك سهلا سمحا وإلا فلا تؤذن" . ويستقبل في أذانه القبلة عند جماعة العلماء ، ويلوي رأسه يمينا وشمالا في "حي على الصلاة حي على الفلاح" عند كثير من أهل العلم. قال أحمد : لا يدور إلا أن يكون في منارة يريد أن يسمع الناس ؛ وبه قال إسحاق ، والأفضل أن يكون متطهرا.
التاسعة- ويستحب لسامع الأذان أن يحكيه إلى آخر التشهدين وإن أتمه جاز ؛ لحديث أبي سعيد ؛ وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم الله أكبر ، ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله ، قال أشهد أن إله إلا الله ثم قال أشهد أن محمدا رسول الله قال أشهد أن محمدا رسول الله ، ثم قال حي على الصلاة قال لا حول ولا قوة إلا بالله ، ثم قال حي على الفلاح قال لا حول ولا قوة إلا بالله ، ثم قال الله أكبر الله أكبر قال الله أكبر الله أكبر ، ثم قال لا إله إلا الله قال لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة" . وفيه عن سعد بن أبي وقاص عن
(6/230)





رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من قال حين يسمع المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله رضيت بالله ربا وبمحمد رسولا وبالإسلام دينا غفر له ما تقدم من ذنبه" .
العاشرة- وأما فضل الأذان والمؤذن فقد جاءت فيه أيضا آثار صحاح ؛ منها ما رواه مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان له صراط حتى لا يسمع التأذين" الحديث. وحسبك أنه شعار الإسلام ، وعلم على الإيمان كما تقدم. وأما المؤذن فروى مسلم عن معاوية قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة" وهذه إشارة إلى الأمن من هول ذلك اليوم. والله أعلم. والعرب تكني بطول العنق عن أشراف القوم وساداتهم ؛ كما قال قائلهم :
طوال أنضية الأعناق واللمم
وفي "الموطأ" عن أبي سعيد الخدري سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة" وفي سنن ابن ماجة عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من أذن محتسبا سبع سنين كتبت له براءة من النار" وفيه عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "من أذن ثنتي عشرة سنة وجبت له الجنة وكتب له بتأذينه في كل يوم ستون حسنة ولكل إقامة ثلاثون حسنة" . قال أبو حاتم : هذا الإسناد. منكر والحديث صحيح. وعن عثمان بن أبي العاص قال : كان آخر ما عهد إلى النبي صلى الله عليه وسلم : "ألا أتخذ مؤذنا يأخذ على أذانه أجرا" حديث ثابت.
الحادية عشرة- واختلفوا في أخذ الأجرة على الأذان ؛ فكره ذلك القاسم بن عبدالرحمن وأصحاب الرأي ، ورخص فيه مالك ، وقال : لا بأس به. وقال الأوزاعي : دلك مكروه ،
(6/231)





ولا بأس بأخذ الرزق عدى ذلك من بيت المال. وقال الشافعي : لا يرزق المؤذن إلا من خمس الخمس سهم النبي صلى الله عليه وسلم قال بن المنذر : لا يجوز أخذ الأجرة على الأذان. وقد استدل علماؤنا بأخذ الأجرة بحديث أبي محذورة ، وفيه نظر ؛ أخرجه النسائي وابن ماجة وغيرهما قال : خرجت في نفر فكند ببعض الطريق فأذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سمعنا صوت المؤذن ونحن عنه متنكبون فصرخنا نحكيه نهزأ به ؛ فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إلينا قوما فأقعدونا بين يديه فقال : "أيكم الذي سمعت صوته قد ارتدع" فأشار إليّ القوم كلهم وصدقوا فأرسل كل وحبسني وقال لي : "قم فأذن" فقمت ولا شيء أكره إلي من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولامما يأمرني به ، فقمت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فألقى علي رسول الله صلى الله عليه وسلم التأذين هو بنفسه فقال : "قل الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله" ، ثم قال لي : "ارفع فمد صوتك أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله" ، ثم دعاني حين قضيت التأذين فأعطاني صرة فيها شيء من فضة ، قد وضع يده على ناصية أبي محذورة ثم أمرها على وجهه ، ثم على ثدييه ، ثم على كبده حتى بلغت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم سرة أبي محذورة ؛ ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "بارك الله لك وبارك عليك" ، فقلت : يا رسول الله مرني بالتأذين بمكة ، قال : "قد أمرتك" فذهب كل شيء كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كراهية ، وعاد ذلك كله محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقدمت على عتاب بن أسيد عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لفظ ابن ماجة.
(6/232)





الثانية عشرة- قوله تعالى : {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ} أي أنهم بمنزلة من لا عقل له يمنعه من القبائح. روي أن رجلا من النصارى وكان بالمدينة إذا سمع المؤذن يقول : "أشهد أن محمدا رسول الله" قال : حرق الكاذب ؛ فسقطت في بيته شرارة من نار وهو نائم فتعلقت بالبيت فأحرقته وأحرقت ذلك الكافر معه ؛ فكانت عبرة للخلق "والبلاء موكد بالمنطق" وقد كانوا يمهلون مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى يستفتحوا ، فلا يؤخروا بعد ذلك ؛ ذكره ابن العربي.
59- {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ}
60- {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ}
قوله تعالى : {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا} قال ابن عباس رضي الله عنه : جاء نفر من اليهود فيهم أبو ياسر بن أخطب ورافع بن أبي رافع - إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه عمن يؤمن به من الرسل عليهم السلام ؛ فقال : "نؤمن بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل إلى قوله : {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} " فلما ذكر عيسى عليه السلام جحدوا نبوته وقالوا : والله ما نعلم أهل دين أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم ولا دينا شرا من دينكم ؛ فنزلت هده الآية وما بعدها ، وهي متصلة بما سبقها من إنكارهم الأذان ؛ فهو جامع للشهادة لله بالتوحيد ، ولمحمد بالنبوة ، والمتناقض دين من فرق بين أنبياء الله لا دين من يؤمن بالكل. ويجوز إدغام اللام في التاء لقربها منها. و {تَنْقِمُونَ} معناه تسخطون ، وقيل : تكرهون
(6/233)





وقيل : تنكرون ، والمعنى متقارب ؛ يقال : نقم من كذا ينقم ونقم ينقم ، والأول أكثر قال عبدالله بن قيس الرقيات :
ما نقموا من بني أمية إلا ... أنهم يحلمون إن غضبوا
وفي التنزيل {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ} ويقال : نقمت على الرجل بالكسر فأنا ناقم إذا عتبت عليه ؛ يقال : ما نقمت عليه الإحسان. قال الكسائي : نقمت بالكسر لغة ، ونقمت الأمر أيضا ونقمته إذا كرهته ، وانتقم الله منه أي عاقبه ، والاسم منه النقمة ، والجمع نقمات ونقم مثل كلمة وكلمات وكلم ، وإن شئت سكنت القاف ونقلت حركتها إلى النون فقلت : نقمة والجمع نقم ؛ مثل نعمة ونعم ، {إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ} في موضع نصب بـ {تَنْقِمُونَ} و {تَنْقِمُونَ} بمعنى تعيبون ، أي هل تنقمون منا إلا إيماننا بالله وقد علمتم أنا على الحق. {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} أي في ترككم الإيمان ، وخروجكم عن امتثال أمر الله فقيل هو مثل قول القائل : هل تنقم مني إلا أني عفيف وأنك فاجر. وقيل : أي لأن أكثركم فاسقون تنقمون منا ذلك.
قوله تعالى : {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ} أي بشر من نقمكم علينا. وقيل : بشر ما تريدون لنا من المكروه ؛ وهذا جواب قولهم : ما نعرف دينا شرا من دينكم. {مَثُوبَةً} نصب على البيان وأصلها مفعولة فألقيت حركة الواو على الثاء فسكنت الواو وبعدها واو ساكنة فحذفت إحداهما لذلك ؛ ومثله مقولة ومجوزة ومضوفة على معنى المصدر ؛ كما قال الشاعر :
وكنت إذا جاري دعا لمضوفة ... أشمر حتى ينصف الساق مئزري
وقيل : مَفْعُلة كقولك مكرمة ومعقلة. {لَعَنَهُ اللَّهُ} {من} في موضع رفع ؛ كما قال : {بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ} والتقدير : هو لعن من لعنه الله ، ويجوز أن يكون في موضع نصب بمعنى : قل هل أنبئكم بشر من ذلك من لعنه الله ، ويجوز أن تكون في موضع خفض على
(6/234)





البدل من شر والتقدير : هل أنبئكم بمن لعنه الله ؛ والمراد اليهود. وقد تقدم القول في الطاغوت ، أي وجعل منهم من عبد الطاغوت ، والموصول محذوف عند الفراء. وقال البصريون : لا يجوز حذف الموصول ؛ والمعنى من لعنه الله وعبد الطاغوت.
وقرأ ابن وثاب النخعي {وَأُنَبِّئُكُمْ} بالتخفيف. وقرأ حمزة : {عَبُدَ الطَّاغُوت} بضم الباء وكسر التاء ؛ جعله اسما على فعل كعضد فهو بناء للمبالغة والكثرة كيقظ وندس وحذر ، وأصله الصفة ؛ ومنه قول النابغة :
من وحش وجرة موشي أكارعه ... طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد
بضم الراء ونصبه بـ {جَعَلَ} ؛ أي جعل منم عبدا للطاغوت ، وأضاف عبدالى الطاغوت فخفضه. وجعل بمعنى خلق ، والمعنى وجعل منهم من يبالغ في عبادة الطاغوت. وقرأ الباقون بفتح الباء والتاء ؛ وجعلوه فعلا ماضيا ، وعطفوه على فعل ماضي وهو غضب ولعن ؛ والمعنى عندهم من لعنه الله ومن عبد الطاغوت ، أو منصوبا بـ {جَعَلَ} ؛ أي جعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت. ووحد الضمير في عبد حملا على لفظ {مِنْ} دون معناها. وقرأ أُبي وابن مسعود {وَعَبَدُوا الطَّاغُوتَ} على المعنى. ابن عباس : {وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} ، فيجوز أن يكون جمع عبد كما يقال : رهن ورهن ، وسقف وسقف ، ويجوز أن يكون جمع عباد كما يقال : مثال ومثل ، ويجوز أن يكون جمع عبد كرغيف ورعف ، ويجوز أن يكون جمع عادل كبازل وبزل ؛ والمعنى : وخدم الطاغوت. وعند ابن عباس أيضا {وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} جعله جمع عابد كما يقال شاهد وشهد وغايب وغيب. وعن أبي واقد : وعباد الطاغوت
(6/235)





للمبالغة ، جمع عابد أيضا ؛ كعامل وعمال ، وضارب وضراب. وذكر محبوب أن البصريين قرؤوا : {وَعَبَادَ الطَّاغُوتَ} جمع عابد أيضا ، كقائم وقيام ، ويجوز أن يكون جمع عبد. وقرأ أبو جعفر الرؤاسي {وَعُبِدَت الطَّاغُوتَ} على المفعول ، والتقدير : وعبد الطاغوت فيهم. وقرأ عون العقيلي وابن بريدة : {وَعَابَِدُ الطَّاغُوتِ} على التوحيد ، وهو يؤدي عن جماعة. وقرأ ابن مسعود أيضا {وَعُبَدَ الطَّاغُوتِ} وعنه أيضا وأبي {وَعُبِدَت الطَّاغُوتَ} على تأنيث الجماعة ؛ كما قال تعالى : {قَالَتِ الأَعْرَابُ} وقرأ عبيد بن عمير : {وأَعْبُدَ الطَّاغُوتَ} مثل كلب وأكلب. فهذه اثنا عشر وجها.
قوله تعالى : {أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَاناً} لأن مكانهم النار ؛ وأما المؤمنون فلا شر في مكانهم. وقال الزجاج : أولئك شر مكانا على قولكم. النحاس : ومن أحسن ما قيل فيه : أولئك الذين لعنهم الله شر مكانا في الآخرة من مكانكم في الدنيا لما لحقكم من الشر. وقيل : أولئك الذين لعنهم الله شر مكانا من الذين نقموا عليكم. وقيل : أولئك الذين نقموا عليكم شر مكانا من الذين لعنهم الله. ولما نزلت هذه الآية قال المسلمون لهم : يا إخوة القردة والخنازير فنكسوا رؤوسهم افتضاحا ، وفيهم يقول الشاعر :
فلعنة الله على اليهود ... إن اليهود إخوة القرود
61- {وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ}
62- {وَتَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}
63- {لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}
(6/236)





قوله تعالى : {وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا} الآية. هذه صفة المنافقين ، المعنى أنهم لم ينتفعوا بشيء مما سمعوه ، بل دخلوا كافرين وخرجوا كافرين. {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ} أي من نفاقهم. وقيل : المراد اليهود الذين قالوا : آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار إذا دخلتم المدينة ، واكفروا آخره إذا رجعتم إلى بيوتكم ، يدل عليه ما قبله من ذكرهم وما يأتي. قوله تعالى : {وَتَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ} يعني من اليهود. {يُسَارِعُونَ فِي الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} أي يسابقون في المعاصي والظلم {وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .
قوله تعالى : {لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَاْلأَحْبَار} {لَوْلا} بمعنى فلا. {يَنْهَاهُمُ} يزجرهم. {الرَّبَّانِيُّونَ} علماء النصارى. {وَاْلأَحْبَار} علماء اليهود قال الحسن. وقيل الكل في اليهود ؛ لأن هذه الآيات فيهم. ثم وبخ علماءهم في تركهم نهيهم فقال : {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} كما وبخ من يسارع في الإثم بقوله : {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} ودلت الآية على أن تارك النهي عن المنكر كمرتكب المنكر ؛ فالآية توبيخ للعلماء في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد مضى في هذا المعنى في {البقرة} {وآل عمران}. وروى سفيان بن عيينة قال : حدثني سفيان بن سعيد عن مسعر قال : بلغني أن ملكا أمر أن يخسف بقرية فقال : يا رب فيها فلان العابد فأوحى الله تعالى إليه : "أن به فابدأ فإنه لم يتعمر وجهد في ساعة قط". وفي صحيح الترمذي : "إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أو شك أن يعمهم الله بعقاب من عنده" وسيأتي. والصنع بمعنى العمل إلا أنه يقتضي الجودة ؛ يقال : سيف صنيع إذا جود عمله.
64- {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}
(6/237)





قوله تعالى : {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} قال عكرمة : إنما قال هذا فنحاص بن عازوراء ، لعنه الله ، وأصحابه ، وكان لهم أموال فلما كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم قال ذلك لهم ؛ فقالوا : إن الله بخيل ، ويد الله مقبوضة عنا في العطاء ؛ فالآية خاصة في بعضهم. وقيل : لما قال قوم هذا ولم ينكر الباقون صاروا كأنهم بأجمعهم قالوا هذا. وقال الحسن : المعنى يد الله مقبوضة عن عذابنا. وقيل : إنهم لما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم في فقر وقلة مال وسمعوا {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} ورأوا النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يستعين بهم في الديات قالوا : إن إله محمد فقير ، وربما قالوا : بخيل ؛ وهذا معنى قولهم : {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} فهذا على التمثيل كقوله : {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ} ويقال للبخيل : جعد الأنامل ، ومقبوض الكف ، وكز الأصابع ، ومغلول اليد ؛ قال الشاعر :
كانت خراسان أرضا إذ يزيد بها ... وكل باب من الخيرات مفتوح
فاستبدلت بعده جعدا أنامله ... كأنما وجهه بالخل منضوح
واليد في كلام العرب تكون للجارحة كقوله تعالى : {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً} هذا محال على الله تعالى. وتكون للنعمة ؛ تقول العرب : كم يد لي عند فلان ، أي كم من نعمة لي قد أسديتها له ، وتكون للقوة ؛ قال الله عز وجل : {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ} ، أي ذا القوة وتكون يد الملك والقدرة ؛ قال الله تعالى : {قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} . وتكون بمعنى الصلة ، قال الله تعالى : {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً} أي مما عملنا نحن. وقال : {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} أي الذي له عقدة النكاح. وتكون بمعنى التأييد والنصرة ، ومن قوله عليه السلام : "يد الله مع القاضي حتى يقضي والقاسم حتى يقسم" . وتدون لإضافة الفعل إلى المخبر عند تشريفا له وتكريما ؛ قال الله تعالى : {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} فلا يجوز أن يحمل على الجارحة ؛ لأن الباري جل وتعالى واحد لا يجوز عليه التبعيض ، ولا على القوة والملك
(6/238)





والنعمة والصلة ، لأن الاشتراك يقع حينئذ. بين وليه آدم وعدوه إبليس ، ويبطل ما ذكر من تفضيله عليه ؛ لبطلان معنى التخصيص ، فلم يبق إلا أن تحمل على صفتين تعلقتا بخلق آدم تشريفا له دون خلق إبليس تعلق القدرة بالمقدور ، لا من طريق المباشرة ولا من حيث المماسة ؛ ومثله ما روي أنه عز اسمه وتعالى علاه وجد أنه كتب التوراة بيده ، وغرس دار الكرامة بيده لأهل الجنة ، وغير ذلك تعلق الصفة بمقتضاها.
قوله تعالى : {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا} حذفت الضمة من الياء لثقلها ؛ أي غلت في الآخرة ، ويجوز أن يكون دعاء عليهم ، وكذا {وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا} والمقصود تعليمنا كما قال : {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ} ؛ علمنا الاستثناء كما علمنا الدعاء على أبي لهب بقوله : {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} وقيل : المراد أنهم أبخل الخلق ؛ فلا ترى يهوديا غير لئيم. وفي الكلام علي هذا القول إضمار الواو ؛ أي قالوا : يد الله مغلولة وغلت أيديهم. واللعن بالإبعاد ، وقد تقدم
قوله تعالى : {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} ابتداء وخبر ؛ أي بل نعمته مبسوطة ؛ فاليد بمعنى النعمة قال بعضهم : هذا غلط ؛ لقوله : {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} فنعم الله تعالى أكثر من أن تحصى فكيف تكون بل نعمتاه مبسوطتان ؟ وأجيب بأنه يجوز أن يكون هذا تثنية جنس لا تثنية واحد مفرد ؛ فيكون مثل قوله عليه السلام : "مثل المنافق كالشاة العائرة بين الغنمين" . فأحد الجنسين نعمة الدنيا ، والثاني نعمة في الآخرة. قيل : نعمتا الدنيا النعمة الظاهرة والنعمة الباطنة ؛ كما قال : {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيه : "النعمة الظاهرة ما حسن من خلقك ، والباطنة ما ستر عليك من سيئ عملك" وقيل : نعمتاه المطر والنبات اللتان النعمة بهما ومنهما. وقيل : إن النعمة للمبالغة ؛ تقول العرب : "لبيك وسعديك" وليس يريد الاقتصار على مرتين ؛ وقد يقول القائل : ما لي بهذا الأمر يد أو قوة. قال السدي ؛ معنى قوله {يَدَاهُ} قوتاه بالثواب
(6/239)





والعقاب ، بخلاف ما قالت اليهود : إن يده مقبوضة عن عذابهم. وفى صحيح مسلم عن أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إن الله تعالى قال لي أنفق أنفق عليك" . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يمين الله ملأى لا يغيضها سخَّاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق مذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه - قال - وعرشه على الماء وبيده الأخرى القبض يرفع ويخفض" . السخاء الشيء الكثير. ونظير ينقص ؛ ونظير هذا الحديث قوله جل ذكره : {وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} وأما هذه الآية ففي قراءة ابن مسعود {بَلْ يَدَاهُ بُسوطَتَانِ} حكاه الأخفش ، وقال يقال : يد بسطة ، أي منطلقة منبسطة. {يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} أي يرزق كما يريد. ويجوز أن تكون اليد في هذه الآية بمعنى القدرة ؛ أي قدرته شاملة ، فإن شاء وسع وإن شاء قتر. {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ} لام قسم. {مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} أي بالذي أنزل إليك. {طُغْيَاناً وَكُفْراً} أي إذا نزل شيء من القرآن فكفروا ازداد كفرهم. {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ} قال مجاهد : أي بين اليهود والنصارى ؛ لأنه قال قبل هذا {لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ} وقيل : أي ألقينا بين طوائف اليهود ، كما قال : {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} فهم متباغضون متفقين ؛ فهم أبغض خلق الله إلى الناس. {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ} يريد اليهود. و {كُلَّمَا} ظرف أي كلما جمعوا وأعدوا شتت الله جمعهم. وقيل : إن اليهود لما أفسدوا وخالفوا كتاب الله - التوراة - أرسل الله عليهم بختنصر ، ثم أفسدوا فأرسل عليم بطرس الرومي ، ثم أفسدوا فأرسل عليهم المجوس ، ثم أفسدوا فبعث الله عليهم المسلمين ؛ فكانوا كلما استقام أمرهم شتتهم الله فكلما أوقدوا نارا أي أهادوا شرا ، وأجمعوا أمرهم على حرب النبي صلى الله عليه وسلم {أَطْفَأَهَا اللَّهُ} وقهرهم ووهن أمرهم فذكر النار مستعار. قال قتادة : أذلهم الله عز وجل ؛ فلقد بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم وهم تحت أيدي
(6/240)





المجوس ، ثم قال عز وجل : {وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً} أي يسعون في إبطال الإسلام ، وذلك من أعظم الفساد ، والله أعلم. وقيل : المراد بالنار هنا نار الغضب ، أي كلما أوقدوا نار الغضب في أنفسهم وتجمعوا بأبدانهم وقوة النفوس منهم باحتدام نار الغضب أطفأها الله حتى يعفوا ؛ وذلك بما جعله من الرعب نصرة بين يدي نبيه صلى الله عليه وسلم.
65- {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ}
66- {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ}
قوله تعالى : {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ} {أَنَّ} في موضع رفع ، وكذا {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ} . {آمَنُوا} صدقوا. {وَاتَّقَوْا} أي الشرك والمعاصي. {لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ} اللام جواب {وَلَوْ} . وكفرنا غطينا ، وقد تقدم. وإقامة التوراة والإنجيل العمل بمقتضاهما وعدم تحريفهما ؛ وقد تقدم هذا المعنى في {البقرة} مستوفى. {وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ} أي القرآن. وقيل : كتب أنبيائهم. {لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} قال ابن عباس وغيره : يعني المطر والنبات ؛ وهذا يدل على أنهم كانوا في جدب. وقيل : المعنى لوسعنا عليهم في أرزاقهم ولأكلوا أكلا متواصلا ؛ وذكر فوق وتحت للمبالغة فيما يفتح عليهم من الدنيا ؛ ونظير هذه الآية {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} ، {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً} {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} فجعل تعالى التقى من أسباب الرزق كما في هذه الآيات ، ووعد بالمزيد لمن شكر فقال : {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} ثم أخبر تعالى أن منهم مقتصدا - وهم المؤمنون منهم كالنجاشي وسلمان وعبدالله بن سلام - اقتصدوا فلم
(6/241)





يقولوا في عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام إلا ما يليق بهما. وقد : أراد بالاقتصاد قوما لم يؤمنوا ، ولكنهم لم يكونوا من المؤذين المستهزئين ، والله أعلم. والاقتصاد الاعتدال في العمل ؛ وهو من القصد ، والقصد إتيان الشيء ؛ تقول : قددته وقصدت له وقصدت إليه بمعنى. {سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} أي بئس شيء عملوه ؛ كذبوا الرسل ، وحرفوا الكذب وأكلوا السحت.
67- {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}
فيه مسألتان
الأولى- قوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} . قيل : معناه أظهر التبليغ ؛ لأنه كان في أول الإسلام يخفيه خوفا من المشركين ، ثم أمر بإظهاره في هذه الآية ، وأعلمه الله أنه يعصمه من الناس. وكان عمر رضى الله عنه أول من أظهر إسلامه وقال : لا نعبد الله سرا ؛ وفي ذلك نزلت : {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} فدلت الآية على رد قول من قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من أمر الدين تقية ، وعلى بطلانه ، وهم الرافضة ، ودلت على أنه صلى الله عليه وسلم لم يسر إلى أحد شيئا من أمر الدين ؛ لأن المعنى بلغ جميع ما أنزل إليك ظاهرا ، ولولا هذا ما كان في قوله عز وجل : {وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} فائدة. وقيل : بلغ ما أنزل إليك من ربك في أمر زينب بنت جحش الأسدية رضي الله عنها. وقيل غير هذا ، والصحيح القول بالعموم ؛ قال ابن عباس : المعنى بلغ جميع ما أنزل إليك من ربك ، فإن كتمت شيئا منه فما بلغت رسالته ؛ وهذا تأديب للنبي صلى الله عليه وسلم ، وتأديب لحملة العلم من أمته ألا يكتموا شيئا من أمر شريعته ، وقد علم الله تعالى من أمر نبيه أنه لا يكتم شيئا من وحيه ؛ وفي صحيح مسلم من مسروق عن عائشة أنها قالت : من حدثك
(6/242)





أن محمدا صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من الوحي فقد كذب ؛ والله تعالى يقول : {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ َ} وقبح الله الروافض حيث قالوا : إنه صلى الله عليه وسلم كتم شيئا مما أوحى إليه كان بالناس حاجة إليه.
الثانية- قوله تعالى : {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} فيه دليل على نبوته ؛ لأن الله عز وجل أخبر أنه معصوم ، ومن ضمن سبحانه له العصمة فلا يجوز أن يكون قد ترك شيئا مما أمره الله به. وسبب نزول هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان نازلا تحت شجرة فجاء أعرابي فاخترط سيفه وقال للنبي صلى الله عليه وسلم : من يمنعك مني ؟ فقال : "الله" ؛ فذعرت يد الأعرابي وسقط السيف من يده ؛ وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه ؛ ذكره المهدوي. وذكره القاضي عياض في كتاب الشفاء قال : وقد رويت هذه القصة في الصحيح ، وأن غورث بن الحارث صاحب القصة ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم عفا عنه ؛ فرجع إلى قومه وقال : جئتكم من عند خير الناس. وقد تقدم الكلام في هذا المعنى في هذه السورة عند قوله : {إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} مستوفى ، وفي {النساء} أيضا في ذكر صلاة الخوف. وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبدالله قال : غزونا مع وسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة قبل نجد فأدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في واد كثير العضاه فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة فعلق سيفه بغصن من أغصانها ، قال : وتفرق الناس في الوادي يستظلون بالشجر ، قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن رجلا أتاني وأنا نائم فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي فلم أشعر إلا والسيف مصلتا في يده فقال لي : من يمنعك مني - قال - قلت الله ثم قال في الثانية من يمنعك مني - قال - قلت الله قال فشام السيف فها هو ذا جالس" ثم لم يعرض له رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم : "لما بعثني الله برسالته ضقت بها ذرعا وعر فت أن من الناس من يكذبني
(6/243)





فأنزل الله هذه الآية" وكان أبو طالب يرسل كل يوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا من بني هاشم يحرسونه حتى نزل : {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "يا عماه إن الله قد عصمني من الجن والإنس فلا احتاج إلى من يحرسني".
قلت : وهذا يقتضي أن ذلك كان بمكة ، وأن الآية مكية وليس كذلك ، وقد تقدم أن هذه السورة مدنية بإجماع ؛ ومما يدل على أن هذه الآية مدنية ما رواه مسلم في الصحيح عن عائشة قالت : سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمة المدينة ليلة فقال : "ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة" قالت : فبينا نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح ؛ فقال : "من هذا" ؟ قال : سعد بن أبي وقاص فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما جاء بك" ؟ فقال : وقع في نفسي خوف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أحرسه ؛ فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نام. وفي غير الصحيح قالت : فبينما نحن كذلك سمعت صوت السلاح ؛ فقال : "من هذا" ؟ فقالوا : سعد وحذيفة جئنا نحرسك ؛ فنام صلى الله عليه وسلم حتى سمعت غطيطه ونزلت هذه الآية ؛ فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من قبة آدم وقال : "انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله" .
وقرأ أهل المدينة : {رِسَالاَتِهِ} على الجميع. وأبو عمرو وأهل الكوفة : {رِسَالَتَهُ} على التوحيد ؛ قال النحاس : والقراءتان حسنتان والجمع أبين ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه الوحي شيئا فشيئا ثم يبينه ، والإفراد يدل على الكثرة ؛ فهي كالمصدر والمصدر في أكثر الكلام لا يجمع ولا يثنى لدلالته على نوعه بلفظه كقوله : {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} . {إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} أي لا يرشدهم وقد تقدم. وقيل : أبلغ أنت فأما الهداية فإلينا. نظيره {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ} والله أعلم.
(6/244)





68- {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}
فيه ثلاث مسائل :
الأولى- قال ابن عباس : جاء جماعة من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : ألست تُقر أن التوراة حق من عند الله ؟ قال : "بلى" . فقالوا : فإنا نؤمن بها ولا نؤمن بما عداها ؛ فنزلت الآية ؛ أي لستم على شيء من الدين حتى تعلموا بما في الكتابين من الإيمان بمحمد عليه السلام ، والعمل بما يوجبه ذلك منهما ؛ وقال أبو علي : ويجوز أن يكون ذلك قبل النسخ لهما.
الثانية- قوله تعالى : {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً} أي يكفرون به فيزدادون كفرا على كفرهم. والطغيان تجاوز الحد في الظلم والغلو فيه. وذلك أن الظلم منه صغيرة ومنه كبيرة ، فمن تجاوز منزلة الصغيرة فقد طغى. ومنه قوله تعالى : {كَلاَّ إِنَّ الأِنْسَانَ لَيَطْغَى} أي يتجاوز الحد في الخروج عن الحق.
الثالثة- قوله تعالى : { فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} أي لا تحزن عليهم. أسي يأسى أسى إذا حزن. قال :
وانحلبت عيناه من فرط الأسى
وهذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ، وليس بنهي عن الحزن ؛ لأنه لا يقدر عليه ولكنه تسلية ونهي عن التعرض للحزن. وقد مضى هذا المعنى في آخر {آل عمران} مستوفى.
(6/245)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
كوثر علوب
دويمابي برتبة نقيب
دويمابي برتبة نقيب



عدد الرسائل : 369

كتاب الجامع لأحكام القرآن Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتاب الجامع لأحكام القرآن   كتاب الجامع لأحكام القرآن I_icon_minitimeالجمعة 13 مايو - 20:56

جزاك الله خيرا استاذ فوزى على المجهود الرائع وربنا يجعله فى ميزان حسناتك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سميه قطبي سالم محمد
دويمابي برتبة نقيب
دويمابي برتبة نقيب
سميه قطبي سالم محمد


عدد الرسائل : 508

كتاب الجامع لأحكام القرآن Empty
مُساهمةموضوع: رد   كتاب الجامع لأحكام القرآن I_icon_minitimeالجمعة 13 مايو - 21:27

شكرا استاذى فوزى على التبصير
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
فوزي عبد القادر موسى عبد
دويمابي برتبة لواء
فوزي عبد القادر موسى عبد


عدد الرسائل : 2478

كتاب الجامع لأحكام القرآن Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتاب الجامع لأحكام القرآن   كتاب الجامع لأحكام القرآن I_icon_minitimeالسبت 14 مايو - 17:14


جزاكما الله خيراً أختيّ في الله.. كوثر وسمية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
كتاب الجامع لأحكام القرآن
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
» كتاب الجامع لأحكام القرآن
» كتاب الجامع لأحكام القرآن
» كتاب الجامع لأحكام القرآن
» كتاب الجامع لأحكام القرآن
» كتاب الجامع لأحكام القرآن

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات ابناء الدويم :: المنتدى الإسلامي-
انتقل الى: