منتديات ابناء الدويم
كتاب الجامع لأحكام القرآن 613623
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة الواحة
سنتشرف بتسجيلك
شكرا كتاب الجامع لأحكام القرآن 829894
ادارة الواحة كتاب الجامع لأحكام القرآن 103798

منتديات ابناء الدويم
كتاب الجامع لأحكام القرآن 613623
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة الواحة
سنتشرف بتسجيلك
شكرا كتاب الجامع لأحكام القرآن 829894
ادارة الواحة كتاب الجامع لأحكام القرآن 103798

منتديات ابناء الدويم
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

منتديات ابناء الدويم

واحة ابناء الدويم
 
الرئيسيةأحدث الصورالتسجيلدخول

 

 كتاب الجامع لأحكام القرآن

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
فوزي عبد القادر موسى عبد
دويمابي برتبة لواء
فوزي عبد القادر موسى عبد


عدد الرسائل : 2478

كتاب الجامع لأحكام القرآن Empty
مُساهمةموضوع: كتاب الجامع لأحكام القرآن   كتاب الجامع لأحكام القرآن I_icon_minitimeالسبت 25 سبتمبر - 14:51

________________________________________
الثانية عشر : قوله تعالى : {وَالأَقْرَبِينَ} الأقربون جمع أقرب. قال قوم : الوصية للأقربين أولى من الأجانب ، لنص اللّه تعالى عليهم ، حتى قال الضحاك : إن أوصى لغير قرابته فقد ختم عمله بمعصية. وروي عن ابن عمر أنه أوصى لأمهات أولاده لكل واحدة بأربعة آلاف. وروي أن عائشة وصت لمولاة لها بأثاث البيت. وروي عن سالم بن عبدالله بمثل ذلك. وقال الحسن : إن أوصى لغير الأقربين ردت الوصية للأقربين ، فإن كانت لأجنبي فمعهم ، ولا تجوز لغيرهم مع تركهم. وقال الناس حين مات أبو العالية : عجبا له أعتقته امرأة من رياح وأوصى بماله لبني هاشم. وقال الشعبي : لم يكن له ذلك ولا كرامة. وقال طاوس : إذا أوص لغير قرابته ردت الوصية إلى قرابته ونقض فعله ، وقاله جابر بن زيد ، وقد روي مثل هذا عن الحسن أيضا ، وبه قال إسحاق بن راهوية. وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والأوزاعي وأحمد بن حنبل : من أوصى لغير قرابته وترك قرابته محتاجين فبئسما صنع وفعله مع ذلك جائز ماض لكل من أوصى له من غني وفقير ، قريب وبعيد ، مسلم وكافر. وهو معنى ما روي عن ابن عمر وعائشة ، وهو وقول ابن عمر وابن عباس
قلت : القول الأول أحسن ، وأما أبو العالية رضي اللّه عنه فلعله نظر إلى أن بني هاشم أولى من معتقته لصحبته ابن عباس وتعليمه إياه وإلحاقه بدرجة العلماء في الدنيا والأخرى. وهذه الأبوة وإن كانت معنوية فهي الحقيقية ، ومعتقته غايتها أن ألحقته بالأحرار في الدنيا ، فحسبها ثواب عتقها ، واللّه أعلم
الثالثة عشرة : ذهب الجمهور من العلماء إلى أن المريض يحجر عليه في ماله ، وشذ أهل الظاهر فقالوا : لا يحجر عليه وهو كالصحيح ، والحديث والمعنى يرد عليهم. قال سعد : عادني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في حجة الوداع من وجع أشفيت منه على الموت فقلت يا رسول اللّه ، بلغ بي ما ترى من الوجع ، وأنا ذو مال ولا يرثني إلا بنت واحدة ،
(2/264)
________________________________________
أفأتصدق بثلثي مالي ؟ قال : "لا" ، قلت : أفأتصدق بشطره ؟ قال : "لا ، الثلث والثلث كثير إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس" الحديث
ومنع أهل الظاهر أيضا الوصية بأكثر من الثلث وإن أجازها الورثة. وأجاز ذلك الكافة إذا أجازها الورثة ، وهو الصحيح ، لأن المريض إنما منع من الوصية بزيادة على الثلث لحق الوارث ، فإذا أسقط الورثة حقهم كان ذلك جائزا صحيحا ، وكان كالهبة من عندهم. وروى الدارقطني عن ابن عباس ، قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : "لا تجوز الوصية لوارث إلا أن يشاء الورثة" . وروي عن عمرو بن خارجة قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : "لا وصية لوارث إلا أن تجيز الورثة" .
الرابعة عشرة : واختلفوا في رجوع المجيزين للوصية للوارث في حياة الموصي بعد وفاته ، فقالت طائفة : ذلك جائز عليهم وليس لهم الرجوع فيه. هذا قول عطاء بن أبي رباح وطاوس والحسن وابن سيرين وابن أبي ليلى والزهري وربيعة والأوزاعي. وقالت طائفة : لهم الرجوع في ذلك إن أحبوا. هذا قول ابن مسعود وشريح والحكم وطاوس والثوري والحسن بن صالح وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وأبي ثور ، واختاره ابن المنذر. وفرق مالك فقال : إذا أذنوا في صحته فلهم أن يرجعوا ، وإن أذنوا له في مرضه حين يحجب عن ماله فذلك جائز عليهم ، وهو قول إسحاق. احتج أهل المقالة الأولى بأن المنع وقع من أجل الورثة ، فإذا أجازوه جاز. وقد اتفقوا أنه إذا أوصى بأكثر من ثلثه لأجنبي جاز بإجازتهم ، فكذلك ههنا. واحتج أهل القول الثاني بأنهم أجازوا شيئا لم يملكوه في ذلك الوقت ، وإنما يملك المال بعد وفاته ، وقد يموت الوارث المستأذن قبله ولا يكون وارثا وقد يرثه غيره ، فقد أجاز من لا حق له فيه فلا يلزمه شيء. واحتج مالك بأن قال : إن الرجل إذا كان صحيحا فهو أحق بماله كله يصنع فيه ما شاء ، فإذا أذنوا له في صحته فقد تركوا شيئا لم يجب لهم ، وإذا أذنوا له في مرضه فقد تركوا ما وجب لهم من الحق ، فليس لهم أن يرجعوا فيه إذا كان قد أنفذه لأنه قد فات
الخامسة عشرة : فإن لم ينفذ المريض ذلك كان للوارث الرجوع فيه لأنه لم يفت بالتنفيذ ، قال الأبهري. وذكر ابن المنذر عن إسحاق بن راهوية أن قول مالك في هذه المسألة
(2/265)
________________________________________
أشبه بالسنة من غيره. قال ابن المنذر : واتفق قول مالك والثوري والكوفيين والشافعي وأبي ثور أنهم إذا أجازوا ذلك بعد وفاته لزمهم
السادسة عشرة : واختلفوا في الرجل يوصي لبعض ورثته بمال ، ويقول في وصيته : إن أجازها الورثة فهي له ، وإن لم يجيزوه فهو في سبيل اللّه ، فلم يجيزوه. فقال مالك : إن لم تجز الورثة ذلك رجع إليهم. وفي قول الشافعي وأبي حنيفة ومعمر صاحب عبدالرزاق يمضي في سبيل اللّه
السابعة عشرة : لا خلاف في وصية البالغ العاقل غير المحجور عليه ، واختلف في غيره ، فقال مالك : الأمر المجمع عليه عندنا أن الضعيف في عقله والسفيه والمصاب الذي يفيق أحيانا وصاياهم إذا كان معهم من عقولهم ما يعرفون ما يوصون به. وكذلك الصبي الصغير إذا كان يعقل ما أوصى به ولم يأت بمنكر من القول فوصيته جائزة ماضية. وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا تجوز وصية الصبي. وقال المزني : وهو قياس قول الشافعي ، ولم أجد للشافعي في ذلك شيئا ذكره ونص عليه. واختلف أصحابه على قولين : أحدهما كقول مالك ، والثاني كقول أبي حنيفة. وحجتهم أنه لا يجوز طلاقه ولا عتاقه ولا يقتص منه في جناية ولا يحد في قذف ، فليس كالبالغ المحجور عليه ، فكذلك وصيته. قال أبو عمر : قد اتفق هؤلاء على أن وصية البالغ المحجور عليه جائزة. ومعلوم أن من يعقل من الصبيان ما يوصي به فحاله حال المحجور عليه في ماله ، وعلة الحجر تبذير المال وإتلافه ، وتلك علة مرتفعة عنه بالموت ، وهو بالمحجور عليه في ماله أشبه منه بالمجنون الذي لا يعقل ، فوجب أن تجوز وصيته مع الأمر الذي جاء فيه عن عمر رضي اللّه عنه. وقال مالك : إنه الأمر المجمع عليه عندهم بالمدينة ، وباللّه التوفيق. وقال محمد بن شريح : من أوصى من صغير أو كبير فأصاب الحق فاللّه قضاه على لسانه ليس للحق مدفع
الثامنة عشرة : قوله تعالى : {بِالْمَعْرُوفِ} يعني بالعدل ، لا وكس فيه ولا شطط ، وكان هذا موكلا إلى اجتهاد الميت ونظر الموصي ، ثم تولى اللّه سبحانه تقدير ذلك على لسان
(2/266)
________________________________________
نبيه عليه السلام ، فقال عليه السلام : " الثلث والثلث كثير" ، وقد تقدم ما للعلماء في هذا. وقال صلى اللّه عليه وسلم : "إن اللّه تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة لكم في حسناتكم ليجعلها لكم زكاة" . أخرجه الدارقطني عن أبي أمامة عن معاذ بن جبل عن النبي صلى اللّه عليه وسلم. وقال الحسن : لا تجوز وصية إلا في الثلث ، وإليه ذهب البخاري واحتج بقوله تعالى : {وَأنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أنَّزَلَ اللهُ} [المائدة : 49] وحكم النبي صلى اللّه عليه وسلم بأن الثلث كثير هو الحكم بما أنزل اللّه. فمن تجاوز ما حده رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وزاد على الثلث فقد أتى ما نهى النبي صلى اللّه عليه وسلم عنه ، وكان بفعله ذلك عاصيا إذا كان بحكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عالما. وقال الشافعي : وقوله "الثلث كثير" يريد أنه غير قليل.
التاسعة عشرة : قوله تعالى : {حَقّاً} يعني ثابتا ثبوت نظر وتحصين ، لا ثبوت فرض ووجوب بدليل قوله : {عَلَى الْمُتَّقِينَ} وهذا يدل على كونه ندبا ، لأنه لو كان فرضا لكان على جميع المسلمين ، فلما خص اللّه من يتقي ، أي يخاف تقصيرا ، دل على أنه غير لازم إلا فيما يتوقع تلفه إن مات ، فيلزمه فرضا المبادرة بكتبه والوصية به ، لأنه إن سكت عنه كان تضييعا له وتقصيرا منه ، وقد تقدم هذا المعنى. وانتصب "حقا" على المصدر المؤكد ، ويجوز في غير القرآن "حق" بمعنى ذلك حق.
الموفية العشرون : قال العلماء : المبادرة بكتب الوصية ليست مأخوذة من هذه الآية. وإنما هي من حديث ابن عمر. وفائدتها : المبالغة في زيادة الاستيثاق وكونها مكتوبة مشهودا بها وهي الوصية المتفق على العمل بها ، فلو أشهد العدول وقاموا بتلك الشهادة لفظا لعمل بها وإن لم تكتب خطا ، فلو كتبها بيده ولم يشهد فلم يختلف قول مالك أنه لا يعمل بها إلا فيما يكون فيها من إقرار بحق لمن لا يتهم عليه فيلزمه تنفيذه .
الحادية والعشرون : روى الدارقطني عن أنس بن مالك قال : كانوا يكتبون في صدور وصاياهم "هذا ما أوصى به فلان بن فلان أنه يشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ،
(2/267)
________________________________________
وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن اللّه يبعث من في القبور. وأوصى من ترك بعده من أهله بتقوى اللّه حق تقاته وأن يصلحوا ذات بينهم ، ويطيعوا اللّه ورسوله إن كانوا مؤمنين ، وأوصاهم بما وصى به إبراهيم بنيه ويعقوب : يا بني إن اللّه أصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون".
الآية : 181 {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}
فيه أربع مسائل :
الأولى : قوله تعالى : {فَمَنْ بَدَّلَهُ} شرط ، وجوابه {فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ} و"ما" كافة "لإن" عن العمل. و"إثمه" رفع بالابتداء ، "على الذين يبدلونه" موضع الخبر. والضمير في "بدله" يرجع إلى الإيصاء ، لأن الوصية في معنى الإيصاء ، وكذلك الضمير في "سمعه" ، وهو كقوله : {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ} [البقرة : 275] أي وعظ ، وقوله : {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ} [النساء : 8] أي المال ، بدليل قوله "منه". ومثله قول الشاعر :
ما هذه الصوت
أي الصيحة. وقال امرؤ القيس :
برهرهة رؤدة رخصة ... كخرعوبة البانة المنفطر
والمنفطر المنتفخ بالورق ، وهو أنعم ما يكون ، ذهب إلى القضيب وترك لفظ الخرعوبة. و"سمعه" يحتمل أن يكون سمعه من الوصي نفسه ، ويحتمل أن يكون سمعه ممن يثبت به ذلك عنده ، وذلك عدلان. والضمير في "إثمه" عائد على التبديل ، أي إثم التبديل عائد على المبدل لا على الميت ، فإن الموصي خرج بالوصية عن اللوم وتوجهت على الوارث أو الولي. وقيل : إن هذا الموصي إذا غير الوصية أو لم يجزها على ما رسم له في الشرع فعليه الإثم
(2/268)
________________________________________
الثانية : في هذه الآية دليل على أن الدين إذا أوصى به الميت خرج به عن ذمته وحصل الولي مطلوبا به ، له الأجر في قضائه ، وعليه الوزر في تأخيره. وقال القاضي أبو بكر بن العربي : "وهذا إنما يصح إذا كان الميت لم يفرط في أدائه ، وأما إذا قدر عليه وتركه ثم وصى به فإنه لا يزيله عن ذمته تفريط الولي فيه"
الثالثة : ولا خلاف أنه إذا أوصى بما لا يجوز ، مثل أن يوصي بخمر أو خنزير أو شيء من المعاصي أنه يجوز تبديله ولا يجوز إمضاؤه ، كما لا يجوز إمضاء ما زاد على الثلث ، قاله أبو عمر
الرابعة : قوله تعالى : {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} صفتان لله تعالى لا يخفى معهما شيء من جنف الموصين وتبديل المعتدين.
الآية : 182 {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}
فيه ست مسائل :
قوله تعالى : {فَمَنْ خَافَ} "من" شرط ، و"خاف" بمعنى خشي. وقيل : علم. والأصل خوف ، قلبت الواو ألفا لتحركها وتحرك ما قبلها. وأهل الكوفة يميلون "خاف" ليدلوا على الكسرة من فعلت. "من موص" بالتشديد قراءة أبي بكر عن عاصم وحمزة والكسائي ، وخفف الباقون ، والتخفيف أبين ، لأن أكثر النحويين يقولون "موص" للتكثير. وقد يجوز أن يكون مثل كرم وأكرم. "جنفا" من جنف يجنف إذا جار ، والاسم منه جنف وجانف ، عن النحاس. وقيل : الجنف الميل. قال الأعشى :
تجانف عن حجر اليمامة ناقتي ... وما قصدت من أهلها لسوائكا
وفي الصحاح : "الجنف" الميل. وقد جنف بالكسر يجنف جنفا إذا مال ، ومنه قوله تعالى : {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً} . قال الشاعر :
هم المولى وإن جنفوا علينا ... وإنا من لقائهم لزور
(2/269)
________________________________________
قال أبو عبيدة : المولى ههنا في موضع الموالي ، أي بني العم ، كقوله تعالى : {ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً} . وقال لبيد :
إني امرؤ منعت أرومة عامر ... ضيمي وقد جنفت علي خصومي
قال أبو عبيدة : وكذلك الجانئ "بالهمز" وهو المائل أيضا. ويقال : أجنف الرجل ، أي جاء بالجنف. كما يقال : ألام ، أي أتى بما يلام عليه. وأخس ، أي أتى بخسيس. وتجانف لإثم ، أي مال. ورجل أجنف ، أي منحني الظهر. وجنفى "على فعلى بضم الفاء وفتح العين" : اسم موضع ، عن ابن السكيت. وروي عن علي أنه قرأ "حيفا" بالحاء والياء ، أي ظلما. وقال مجاهد : "فمن خاف" أي من خشي أن يجنف الموصي ويقطع ميراث طائفة ويتعمد الأذية ، أو يأتيها دون تعمد ، وذلك هو الجنف دون إثم ، فإن تعمد فهو الجنف في إثم. فالمعنى من وعظ في ذلك ورد عنه فأصلح بذلك ما بينه وبين ورثته وبين الورثة في ذاتهم فلا إثم عليه. "فلا إثم عليه" أي لا يلحقه إثم المبدل المذكور قبل. وإن كان في فعله تبديل ما ولا بد ، ولكنه تبديل لمصلحة. والتبديل الذي فيه الإثم إنما هو تبديل الهوى. {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} عن الموصي إذا عملت فيه الموعظة ورجع عما أراد من الأذية. وقال ابن عباس وقتادة والربيع وغيرهم : معنى الآية من خاف أي علم ورأى وأتى علمه عليه بعد موت الموصي أن الموصي جنف وتعمد أذية بعض ورثته فأصلح ما وقع بين الورثة من الاضطراب والشقاق {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} أي لا يلحقه إثم المبدل المذكور قبل.وإن كان في فعله تبديل ما ولا بد ، ولكنه تبديل لمصلحة والتبديل الذي فيه الإثم إنما هو تبديل الهوى
الثانية : الخطاب بقوله : {فَمَنْ خَافَ} لجميع المسلمين. قيل لهم : إن خفتم من موص ميلا في الوصية وعدولا عن الحق ووقوعا في إثم ولم يخرجها بالمعروف ، وذلك بأن يوصي بالمال إلى زوج ابنته أو لولد ابنته لينصرف المال إلى ابنته ، أو إلى ابن ابنه والغرض أن ينصرف المال إلى ابنه ، أو أوصى لبعيد وترك القريب ، فبادروا إلى السعي في الإصلاح بينهم ، فإذا وقع الصلح سقط الإثم عن المصلح. والإصلاح فرض على الكفاية ، فإذا قام أحدهم به سقط عن الباقين ، وإن لم يفعلوا أثم الكل.
(2/270)
________________________________________
الثالثة - في هذه الآية دليل على الحكم بالظن ، لأنه إذا ظن قصد الفساد وجب السعي في الصلاح ، وإذا تحقق الفساد لم يكن صلحا إنما يكون حكما بالدفع وإبطالا للفساد وحسما له.
قوله تعالى : {فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ} عطف على "خاف" ، والكناية عن الورثة ، ولم يجر لهم ذكر لأنه قد عرف المعنى ، وجواب الشرط {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} .
الرابعة- لا خلاف أن الصدقة في حال الحياة والصحة أفضل منها عند الموت ، لقوله عليه السلام وقد سئل : أي الصدقة أفضل ؟ فقال : "أن تصدق وأنت صحيح شحيح" الحديث ، أخرجه أهل الصحيح. وروى الدارقطني عن أبي سعيد الخدري أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : " لأن يتصدق المرء في حياته بدرهم خير له من أن يتصدق عند موته بمائة" . وروى النسائي عن أبي الدرداء عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : "مثل الذي ينفق أو يتصدق عند موته مثل الذي يهدي بعد ما يشبع"
الخامسة- من لم يضر في وصيته كانت كفارة لما ترك من زكاته. روى الدارقطني عن معاوية ابن قرة عن أبيه قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : "من حضرته الوفاة فأوصى فكانت وصيته على كتاب اللّه كانت كفارة لما ترك من زكاته" . فإن ضر في الوصية وهي :
السادسة - فقد روى الدار قطني أيضا عن ابن عباس عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : " الإضرار في الوصية من الكبائر" . وروى أبو داود عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : " إن الرجل أو المرأة ليعمل بطاعة اللّه ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار" . وترجم النسائي "الصلاة على من جنف في وصيته" أخبرنا علي بن حجر أنبأنا هشيم عن منصور وهو ابن زاذان عن الحسن عن عمران بن حصين رضي اللّه عنه أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته ولم يكن له مال
(2/271)
________________________________________
غيرهم ، فبلغ ذلك النبي صلى اللّه عليه وسلم فغضب من ذلك وقال : " لقد هممت ألا أصلي عليه" [ثم دعا مملوكيه] فجزأهم ثلاثة أجزاء ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة. وأخرجه مسلم بمعناه إلا أنه قال في آخره : وقال له قولا شديدا ، بدل قوله : " لقد هممت ألا أصلي عليه".
الآية : 183 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}
الآية : 184 {أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.
فيه ست مسائل :
الأولى- قوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} لما ذكر ما كتب على المكلفين من القصاص والوصية ذكر أيضا أنه كتب عليهم الصيام وألزمهم إياه وأوجبه عليهم ، ولا خلاف فيه ، قال صلى اللّه عليه وسلم : "بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج" رواه ابن عمر. ومعناه في اللغة : الإمساك ، وترك التنقل من حال إلى حال. ويقال للصمت صوم ، لأنه إمساك عن الكلام ، قال اللّه تعالى مخبرا عن مريم : {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً} [مريم : 26] أي سكوتا عن الكلام. والصوم : ركود الريح ، وهو إمساكها عن الهبوب. وصامت الدابة على آريها : قامت وثبتت فلم تعتلف. وصام النهار : اعتدل. ومصام الشمس حيث تستوي في منتصف النهار ، ومنه قول النابغة :
خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وخيل تعلك اللجما
(2/272)
________________________________________
أي خيل ثابتة ممسكة عن الجري والحركة ، كما قال :
كأن الثريا علقت في مصامها
أي هي ثابتة في مواضعها فلا تنتقل ، وقوله :
والبكرات شرهن الصائما
يعني التي لا تدور. وقال امرؤ القيس :
فدعها وسل الهم عنك بجسرة ... ذمول إذا صام النهار وهجرا
أي أبطأت الشمس عن الانتقال والسير فصارت بالإبطاء كالممسكة. وقال آخر :
حتى إذا صام النهار واعتدل ... وسال للشمس لعاب فنزل
وقال آخر :
نعاما بوجرة صفر الخدو ... د ما تطعم النوم إلا صياما
أي قائمة. والشعر في هذا المعنى كثير
والصوم في الشرع : الإمساك عن المفطرات مع اقتران النية به من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ، وتمامه وكماله باجتناب المحظورات وعدم الوقوع في المحرمات ، لقوله عليه السلام : " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" .
الثانية- فضل الصوم عظيم ، وثوابه جسيم ، جاءت بذلك أخبار كثيرة صحاح وحسان ذكرها الأئمة في مسانيدهم ، وسيأتي بعضها ، ويكفيك الآن منها في فضل الصوم أن خصه اللّه بالإضافة إليه ، كما ثبت في الحديث عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال مخبرا عن ربه :
(2/273)
________________________________________
"يقول اللّه تبارك وتعالى كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" الحديث. وإنما خص الصوم بأنه له وإن كانت العبادات كلها له لأمرين باين الصوم بهما سائر العبادات
أحدهما : أن الصوم يمنع من ملاذ النفس وشهواتها ما لا يمنع منه سائر العبادات.
الثاني : أن الصوم سر بين العبد وبين ربه لا يظهر إلا له ، فلذلك صار مختصا به. وما سواه من العبادات ظاهر ، ربما فعله تصنعا ورياء ، فلهذا صار أخص بالصوم من غيره. وقيل غير هذا.
الثالثة : قوله تعالى : {كَمَا كُتِبَ} الكاف في موضع نصب على النعت ، التقدير كتابا كما ، أو صوما كما. أو على الحال من الصيام أي كتب عليكم الصيام مشبها كما كتب على الذين من قبلكم. وقال بعض النحاة : الكاف في موضع رفع نعتا للصيام ، إذ ليس تعريفه بمحض ، لمكان الإجمال الذي فيه بما فسرته الشريعة ، فلذلك جاز نعته "بكما" إذ لا ينعت بها إلا النكرات ، فهو بمنزلة كتب عليكم صيام ، وقد ضعف هذا القول. و"ما" في موضع خفض ، وصلتها : {كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} . والضمير في "كتب" يعود على "ما". واختلف أهل التأويل في موضع التشبيه وهي :
الرابعة : قال الشعبي وقتادة وغيرهما : التشبيه يرجع إلى وقت الصوم وقدر الصوم ، فإن اللّه تعالى كتب على قوم موسى وعيسى صوم رمضان فغيروا ، وزاد أحبارهم عليهم عشرة أيام ثم مرض بعض أحبارهم فنذر إن شفاه اللّه أن يزيد في صومهم عشرة أيام ففعل ، فصار صوم النصارى خمسين يوما ، فصعب عليهم في الحر فنقلوه إلى الربيع. واختار هذا القول النحاس وقال : وهو الأشبه بما في الآية. وفيه حديث يدل على صحته أسنده عن دغفل بن حنظلة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : " كان على النصارى صوم شهر فمرض رجل منهم فقالوا لئن شفاه اللّه لنزيدن عشرة ثم كان آخر فأكل لحما فأوجع فاه فقالوا لئن شفاه اللّه لنزيدن سبعة ثم كان ملك آخر فقالوا لنتمن هذه السبعة الأيام ونجعل صومنا في الربيع قال فصار خمسين" . وقال مجاهد : كتب اللّه عز وجل صوم شهر رمضان على كل أمة. وقيل :
(2/274)
________________________________________
أخذوا بالوثيقة فصاموا قبل الثلاثين يوما وبعدها يوما ، قرنا بعد قرن ، حتى بلغ صومهم خمسين يوما ، فصعب عليهم في الحر فنقلوه إلى الفصل الشمسي. قال النقاش : وفي ذلك حديث عن دغفل بن حنظلة والحسن البصري والسدي
قلت : ولهذا - واللّه أعلم - كره الآن صوم يوم الشك والستة من شوال بإثر يوم الفطر متصلا به. قال الشعبي : لو صمت السنة كلها لأفطرت يوم الشك ، وذلك أن النصارى فرض عليهم صوم شهر رمضان كما فرض علينا ، فحولوه إلى الفصل الشمسي ، لأنه قد كان يوافق القيظ فعدوا ثلاثين يوما ، ثم جاء بعدهم قرن فأخذوا بالوثيقة لأنفسهم فصاموا قبل الثلاثين يوما وبعدها يوما ، ثم لم يزل الآخر يستن بسنة من كان قبله حتى صاروا إلى خمسين يوما فذلك قوله تعالى : {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} . وقيل : التشبيه راجع إلى أصل وجوبه على من تقدم ، لا في الوقت والكيفية. وقيل : التشبيه واقع على صفة الصوم الذي كان عليهم من منعهم من الأكل والشرب والنكاح ، فإذا حان الإفطار فلا يفعل هذه الأشياء من نام. وكذلك كان في النصارى أولا وكان في أول الإسلام ، ثم نسخه اللّه تعالى بقوله : {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة : 187] على ما يأتي بيانه ، قاله السدي وأبو العالية والربيع. وقال معاذ بن جبل وعطاء : التشبيه واقع على الصوم لا على الصفة ولا على العدة وإن اختلف الصيامان بالزيادة والنقصان. المعنى : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} أي في أول الإسلام ثلاثة أيام من كل شهر ويوم عاشوراء ، "كما كتب على الذين من قبلكم" وهم اليهود - في قول ابن عباس - ثلاثة أيام ويوم عاشوراء. ثم نسخ هذا في هذه الأمة بشهر رمضان. وقال معاذ بن جبل : نسخ ذلك {بِأَيَّامِ مَعْدُودَاتٍ} ثم نسخت الأيام برمضان.
الخامسة : قوله تعالى : {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} "لعل" ترج في حقهم ، كما تقدم. و"تتقون" قيل : معناه هنا تضعفون ، فإنه كلما قل الأكل ضعفت الشهوة ، وكلما ضعفت
(2/275)
________________________________________
الشهوة قلت المعاصي وهذا وجه مجازي حسن. وقيل : لتتقوا المعاصي. وقيل : هو على العموم ، لأن الصيام كما قال عليه السلام : "الصيام جنة ووجاء" وسبب تقوى ، لأنه يميت الشهوات.
السادسة : قوله تعالى : {أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ} "أياما" مفعول ثان "بكتب" ، قاله الفراء. وقيل : نصب على الظرف "لكتب" ، أي كتب عليكم الصيام في أيام. والأيام المعدودات : شهر رمضان ، وهذا يدل على خلاف ما روي عن معاذ ، واللّه أعلم.
قوله تعالى : {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} فيه ست عشرة مسألة :
الأولى : قوله تعالى : {مَرِيضاً} للمريض حالتان : إحداهما : ألا يطيق الصوم بحال ، فعليه الفطر واجبا. الثانية : أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة ، فهذا يستحب له الفطر ولا يصوم إلا جاهل. قال ابن سيرين : متى حصل الإنسان في حال يستحق بها اسم المرض صح الفطر ، قياسا على المسافر لعلة السفر ، وإن لم تدع إلى الفطر ضرورة. قال طريف بن تمام العطاردي : دخلت على محمد بن سيرين في رمضان وهو يأكل ، فلما فرع قال : إنه وجعت أصبعي هذه. وقال جمهور من العلماء : إذا كان به مرض يؤلمه ويؤذيه أو يخاف تماديه أو يخاف تزيده صح له الفطر. قال ابن عطية : وهذا مذهب حذاق أصحاب مالك وبه يناظرون. وأما لفظ مالك فهو المرض الذي يشق على المرء ويبلغ به. وقال ابن خويز منداد : واختلفت الرواية عن مالك في المرض المبيح للفطر ، فقال مرة : هو خوف التلف من الصيام. وقال مرة : شدة المرض والزيادة فيه والمشقة الفادحة. وهذا صحيح مذهبه وهو مقتضى الظاهر ، لأنه لم يخص مرضا من مرض فهو مباح في كل مرض ، إلا ما خصه الدليل من الصداع والحمى والمرضى اليسير الذي لا كلفة معه في الصيام. وقال الحسن : إذا لم يقدر من المرض على الصلاة قائما أفطر ، وقاله النخعي. وقالت فرقة : لا يفطر بالمرض إلا من
(2/276)
________________________________________
دعته ضرورة المرض نفسه إلى الفطر ، ومتى احتمل الضرورة معه لم يفطر. وهذا قول الشافعي رحمه اللّه تعالى
قلت : قول ابن سيربن أعدل شيء في هذا الباب إن شاء اللّه تعالى. قال البخاري : اعتللت بنيسابور علة خفيفة وذلك في شهر رمضان ، فعادني إسحاق بن راهوية نفر من أصحابه فقال لي : أفطرت يا أبا عبدالله ؟ فقلت نعم. فقال : خشيت أن تضعف عن قبول الرخصة. قلت : حدثنا عبدان عن ابن المبارك عن ابن جريج قال قلت لعطاء : من أي المرض أفطر ؟ قال : من أي مرض كان ، كما قال اللّه تعالى : {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً} قال البخاري : وهذا الحديث لم يكن عند إسحاق. وقال أبو حنيفة : إذا خاف الرجل على نفسه وهو صائم إن لم يفطر أن تزداد عينه وجعا أو حماه شدة أفطر
الثانية : قوله تعالى : {أَوْ عَلَى سَفَرٍ} اختلف العلماء في السفر الذي يجوز فيه الفطر والقصر ، بعد إجماعهم على سفر الطاعة كالحج والجهاد ، ويتصل بهذين سفر صلة الرحم وطلب المعاش الضروري. أما سفر التجارات والمباحات فمختلف فيه بالمنع والإجازة ، والقول بالجواز أرجح. وأما سفر العاصي فيختلف فيه بالجواز والمنع ، والقول بالمنع أرجح ، قاله ابن عطية. ومسافة الفطر عند مالك حيث تقصر الصلاة واختلف العلماء في قدر ذلك ، فقال مالك : يوم وليلة ، ثم رجع فقال : ثمانية وأربعون ميلا قال ابن خويز منداد : وهو ظاهر مذهبه ، وقال مرة : اثنان وأربعون ميلا وقال مرة ستة وثلاثون ميلا وقال مرة : مسيرة يوم وليلة ، وروى عنه يومان ، وهو قول الشافعي. وفصل مرة بين البر والبحر ، فقال في البحر مسيرة يوم وليلة ، وفي البر ثمانية وأربعون ميلا ، وفي المذهب ثلاثون ميلا ، وفي غير المذهب ثلاثة أميال. وقال ابن عمرو وابن عباس والثوري : الفطر في سفر ثلاثة أيام ، حكاه ابن عطية
قلت : والذي في البخاري : وكان ابن عمر وابن عباس يفطران ويقصران في أربعة برد وهي ستة عشر فرسخا.
(2/277)
________________________________________
الثالثة : اتفق العلماء على أن المسافر في رمضان لا يجوز له أن يبيت الفطر ، لأن المسافر لا يكون مسافرا بالنية بخلاف المقيم ، وإنما يكون مسافرا بالعمل والنهوض ، والمقيم لا يفتقر إلى عمل ، لأنه إذا نوى الإقامة كان مقيما في الحين ، لأن الإقامة لا تفتقر إلى عمل فافترقا. ولا خلاف بينهم أيضا في الذي يؤمل السفر أنه لا يجوز له أن يفطر قبل أن يخرج ، فإن أفطر فقال ابن حبيب : إن كان قد تأهب لسفره وأخذ في أسباب الحركة فلا شيء عليه ، وحكى ذلك عن أصبغ وابن الماجشون ، فإن عاقه عن السفر عائق كان عليه الكفارة ، وحسبه أن ينجو إن سافر. وروى عيسى عن ابن القاسم أنه ليس عليه إلا قضاء يوم ، لأنه متأول في فطره. وقال أشهب : ليس عليه شيء من الكفارة سافر أو لم يسافر. وقال سحنون : عليه الكفارة سافر أو لم يسافر ، وهو بمنزلة المرأة تقول : غدا تأتيني حيضتي ، فتفطر لذلك ، ثم رجع إلى قول عبدالملك وأصبغ وقال : ليس مثل المرأة ، لأن الرجل يحدث السفر إذا شاء ، والمرأة لا تحدث الحيضة
قلت : قول ابن القاسم وأشهب في نفي الكفارة حسن ، لأنه فعل ما يجوز له فعله ، والذمة بريئة ، فلا يثبت فيها شيء إلا بيقين ولا يقين مع الاختلاف ، ثم إنه مقتضى قوله تعالى : {أَوْ عَلَى سَفَرٍ} . وقال أبو عمر : هذا أصح أقاويلهم في هذه المسألة ، لأنه غير منتهك لحرمة الصوم بقصد إلى ذلك وإنما هو متأول ، ولو كان الأكل مع نية السفر يوجب عليه الكفارة لأنه كان قبل خروجه ما أسقطها عنه خروجه ، فتأمل ذلك تجده كذلك ، إن شاء اللّه تعالى. وقد روى الدارقطني : حدثنا أبو بكر النيسابوري حدثنا إسماعيل بن إسحاق بن سهل بمصر قال حدثنا ابن أبي مريم حدثنا محمد بن جعفر أخبرني زيد بن أسلم قال : أخبرني محمد بن المنكدر عن محمد بن كعب أنه قال : أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد السفر وقد رحلت دابته ولبس ثياب السفر وقد تقارب غروب الشمس ، فدعا بطعام فأكل منه ثم ركب. فقلت له : سنة ؟ قال نعم. وروي عن أنس أيضا قال قال لي أبو موسى : ألم أنبئنك إذا خرجت خرجت صائما ، وإذا دخلت دخلت ، صائما ، فإذا خرجت فأخرج مفطرا ، وإذا دخلت فادخل
(2/278)
________________________________________
مفطرا. وقال الحسن البصري : يفطر إن شاء في بيته يوم يريد أن يخرج. وقال أحمد : يفطر إذا برز عن البيوت. وقال إسحاق : لا ، بل حين يضع رجله في الرحل. قال ابن المنذر : قول أحمد صحيح ، لأنهم يقولون لمن أصبح صحيحا ثم اعتل : إنه يفطر بقية يومه ، وكذلك إذا أصبح في الحضر ثم خرج إلى السفر فله كذلك أن يفطر. وقالت طائفة : لا يفطر يومه ذلك وإن نهض في سفره ، كذلك قال الزهري ومكحول ويحيى الأنصاري ومالك والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي. واختلفوا إن فعل ، فكلهم قال يقضي ولا يكفر. قال مالك : لأن السفر عذر طارئ ، فكان كالمرض يطرأ عليه. وروي عن بعض أصحاب مالك أنه يقضي ويكفر ، وهو قول ابن كنانة والمخزومي ، وحكاه الباجي عن الشافعي ، واختاره ابن العربي وقال به ، قال : لأن السفر عذر طرأ بعد لزوم العبادة ويخالف المرض والحيض ، لأن المرض يبيح له الفطر ، والحيض يحرم عليها الصوم ، والسفر لا يبيح له ذلك فوجبت عليه الكفارة لهتك حرمته. قال أبو عمر : وليس هذا بشيء ، لأن اللّه سبحانه قد أباح له الفطر في الكتاب والسنة. وأما قولهم لا يفطر فإنما ذلك استحباب لما عقده فإن أخذ برخصة اللّه كان عليه القضاء ، وأما الكفارة فلا وجه لها ، ومن أوجبها فقد أوجب ما لم يوجبه اللّه ولا رسوله صلى اللّه عليه وسلم. وقد روي عن ابن عمر في هذه المسألة : "يفطر إن شاء في يومه ذلك إذا خرج مسافرا" وهو قول الشعبي وأحمد وإسحاق.
قلت : وقد ترجم البخاري رحمه اللّه على هذه المسألة "باب من أفطر في السفر ليراه الناس" وساق الحديث عن ابن عباس قال : "خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من المدينة إلى مكة فصام حتى بلغ عسفان ، ثم دعا بماء فرفعه إلى يديه ليريه الناس فأفطر حتى قدم مكة وذلك في رمضان. وأخرجه مسلم أيضا عن ابن عباس وقال فيه : ثم دعا بإناء فيه شراب شربه نهارا ليراه الناس ثم أفطر حتى دخل مكة". وهذا نص في الباب فسقط ما خالفه ، وباللّه التوفيق. وفيه أيضا حجة على من يقول : إن الصوم لا ينعقد في السفر. روي عن عمر وابن عباس
(2/279)
________________________________________
وأبي هريرة وابن عمر. قال ابن عمر : "من صام في السفر قضى في الحضر" وعن عبدالرحمن بن عوف : "الصائم في السفر كالمفطر في الحضر" وقال به قوم من أهل الظاهر ، واحتجوا بقوله تعالى : {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} على ما يأتي بيانه ، وبما روى كعب بن عاصم قال : سمعت النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : "ليس من البر الصيام في السفر" . وفيه أيضا حجة على من يقول : إن من بيت الصوم في السفر فله أن يفطر وإن لم يكن له عذر ، وإليه ذهب مطرف ، وهو أحد قولي الشافعي وعليه جماعة من أهل الحديث. وكان مالك يوجب عليه القضاء والكفارة لأنه كان مخيرا في الصوم والفطر ، فلما اختار الصوم وبيته لزمه ولم يكن له الفطر ، فإن أفطر عامدا من غير عذر كان عليه القضاء والكفارة. وقد روي عنه أنه لا كفارة عليه ، وهو قول أكثر أصحابه إلا عبدالملك فإنه قال : إن أفطر بجماع كفر ، لأنه لا يقوى بذلك على سفره ولا عذر له ، لأن المسافر إنما أبيح له الفطر ليقوى بذلك على سفره. وقال سائر الفقهاء بالعراق والحجاز : إنه لا كفارة عليه ، منهم الثوري والأوزاعي والشافعي وأبو حنيفة وسائر فقهاء الكوفة ، قاله أبو عمر.
الرابعة : واختلف العلماء في الأفضل من الفطر أو الصوم في السفر ، فقال مالك والشافعي في بعض ما روي عنهما : الصوم أفضل لمن قوي عليه. وجل مذهب مالك التخيير وكذلك مذهب الشافعي. قال الشافعي ومن اتبعه : هو مخير ، ولم يفصل ، وكذلك ابن علية ، لحديث أنس قال : "سافرنا مع النبي صلى اللّه عليه وسلم في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم" خرجه مالك والبخاري ومسلم. وروي عن عثمان بن أبي العاص الثقفي وأنس بن مالك صاحبي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنهما قالا : "الصوم في السفر أفضل لمن قدر عليه" وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. وروي عن ابن عمر وابن عباس : الرخصة أفضل ، وقال به سعيد بن المسيب والشعبي وعمر بن عبدالعزيز ومجاهد وقتادة والأوزاعي وأحمد وإسحاق. كل هؤلاء يقولون الفطر أفضل ، لقول اللّه تعالى : {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة : 185]
(2/280)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
كتاب الجامع لأحكام القرآن
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
» كتاب الجامع لأحكام القرآن
» كتاب الجامع لأحكام القرآن
» كتاب الجامع لأحكام القرآن
» كتاب الجامع لأحكام القرآن
» كتاب الجامع لأحكام القرآن

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات ابناء الدويم :: المنتدى الإسلامي-
انتقل الى: