منتديات ابناء الدويم
كتاب الجامع لأحكام القرآن 613623
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة الواحة
سنتشرف بتسجيلك
شكرا كتاب الجامع لأحكام القرآن 829894
ادارة الواحة كتاب الجامع لأحكام القرآن 103798

منتديات ابناء الدويم
كتاب الجامع لأحكام القرآن 613623
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة الواحة
سنتشرف بتسجيلك
شكرا كتاب الجامع لأحكام القرآن 829894
ادارة الواحة كتاب الجامع لأحكام القرآن 103798

منتديات ابناء الدويم
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

منتديات ابناء الدويم

واحة ابناء الدويم
 
الرئيسيةأحدث الصورالتسجيلدخول

 

 كتاب الجامع لأحكام القرآن

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
فوزي عبد القادر موسى عبد
دويمابي برتبة لواء
فوزي عبد القادر موسى عبد


عدد الرسائل : 2478

كتاب الجامع لأحكام القرآن Empty
مُساهمةموضوع: كتاب الجامع لأحكام القرآن   كتاب الجامع لأحكام القرآن I_icon_minitimeالسبت 22 يناير - 16:02


________________________________________
*3*الآية : 266 { أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}
قوله تعالى : {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} الآية. حكى الطبري عن السدي أن هذه الآية مثل آخر لنفقة الرياء ، ورجح هو هذا القول.
قلت وروي عن ابن عباس أيضا قال : هذا مثل ضربه الله للمرائين بالأعمال يبطلها يوم القيامة أحوج ما كان إليها ، كمثل رجل كانت له جنة وله أطفال لا ينفعونه فكبر وأصاب الجنة إعصار أي ريح عاصف فيه نار فاحترقت ففقدها أحوج ما كان إليها. وحكي عن ابن زيد أنه قرأ قول الله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى} [البقرة : 264] الآية ، قال : ثم ضرب في ذلك مثلا فقال : {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ} الآية. قال ابن عطية : وهذا أبين من الذي رجح الطبري ، وليست هذه الآية بمثل آخر لنفقة الرياء ، هذا هو مقتضى سياق الكلام. وأما بالمعنى في غير هذا السياق فتشبه حال كل منافق أو كافر عمل عملا وهو يحسب أنه يحسن صنعا فلما جاء إلى وقت الحاجة لم يجد شيئا.
قلت : قد روي عن ابن عباس أنها مثل لمن عمل لغير الله من منافق وكافر على ما يأتي ، إلا أن الذي ثبت في البخاري عنه خلاف هذا. خرج البخاري عن عبيد بن عمير قال : قال عمر بن الخطاب يوما لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : فيم ترون هذه الآية نزلت {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، فغضب عمر وقال : قولوا : نعلم أو لا نعلم! فقال ابن عباس : في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين ، قال : يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك ، قال ابن عباس : ضربت مثلا لعمل. قال عمر : أي عمل ؟ قال ابن عباس : لعمل رجل غني يعمل بطاعة الله ثم بعث الله عز وجل له الشيطان فعمل
(3/318)
________________________________________
في المعاصي حتى أحرق عمله. في رواية : فإذا فني عمره واقترب أجله ختم ذلك بعمل من أعمال الشقاء ، فرضى ذلك عمر. وروى ابن أبي مليكة أن عمر تلا هذه الآية. وقال : هذا مثل ضرب للإنسان يعمل عملا صالحا حتى إذا كان عند آخر عمره أحوج ما يكون إليه عمل عمل السوء. قال ابن عطية : فهذا نظر يحمل الآية على كل ما يدخل تحت ألفاظها ، وبنحو ذلك قال مجاهد وقتادة والربيع وغيرهم. وخص النخيل والأعناب بالذكر لشرفهما وفضلهما على سائر الشجر. وقرأ الحسن "جنات" بالجمع. { تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} تقدم ذكره. {لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} يريد ليس شيء من الثمار إلا وهو فيها نابت.
قوله تعالى : {وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ} عطف ماضيا على مستقبل وهو "تكون" وقيل : "يود" فقيل : التقدير وقد أصابه الكبر. وقيل إنه محمول على المعنى ، لأن المعنى أيود أحدكم أن لو كانت له جنة. وقيل : الواو واو الحال ، وكذا في قوله تعالى "وله".
قوله تعالى : { فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ} قال الحسن : {إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ} ريح فيها برد شديد. الزجاج : الإعصار في اللغة الريح الشديدة التي تهب من الأرض إلى السماء كالعمود ، وهي التي يقال لها : الزوبعة. قال الجوهري : الزوبعة رئيس من رؤساء الجن ، ومنه سمي الإعصار زوبعة. ويقال : أم زوبعة ، وهي ريح تثير الغبار وترتفع إلى السماء كأنها عمود. وقيل : الإعصار ريح تثير سحابا ذا رعد وبرق. المهدوي : قيل لها إعصار لأنها تلتف كالثوب إذا عصر. ابن عطية : وهذا ضعيف.
قلت : بل هو صحيح ، لأنه المشاهد المحسوس ، فإنه يصعد عمودا ملتفا. وقيل : إنما قيل للريح إعصار ، لأنه يعصر السحاب ، والسحاب معصرات إما لأنها حوامل فهي كالمعصر من النساء. وإما لأنها تنعصر بالرياح. وحكى ابن سيده : إن المعصرات فسرها قوم بالرياح لا بالسحاب. ابن زيد : الإعصار ريح عاصف وسموم شديدة ، وكذلك قال السدي : الإعصار الريح والنار السموم. ابن عباس : ريح فيها سموم شديدة. قال ابن عطية : ويكون ،
(3/319)
________________________________________
ذلك في شدة الحر ويكون في شدة البرد ، وكل ذلك من فيح جهنم ونفسها ، كما تضمن قول النبي صلى الله عليه وسلم : "إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم" و "إن النار اشتكت إلى ربها" الحديث. وروي عن ابن عباس وغيره : "إن هذا مثل ضربه الله تعالى للكافرين والمنافقين ، كهيئة رجل غرس بستانا فأكثر فيه من الثمر فأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء - يريد صبيانا بنات وغلمانا - فكانت معيشته ومعيشة ذريته من ذلك البستان ، فأرسل الله على بستانه ريحا فيها نار فأحرقته ، ولم يكن عنده قوة فيغرسه ثانية ، ولم يكن عند بنيه خير فيعودون على أبيهم. وكذلك الكافر والمنافق إذا ورد إلى الله تعالى يوم القيامة ليست له كرة يبعث فيرد ثانية ، كما ليست عند هذا قوة فيغرس بستانه ثانية ، ولم يكن عنده من افتقر إليه عند كبر سنه وضعف ذريته غنى عنه.
قوله تعالى : {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} يريد كي ترجعوا إلى عظمتي وربوبيتي ولا تتخذوا من دوني أولياء. وقال ابن عباس أيضا : تتفكرون في زوال الدنيا وفنائها وإقبال الآخرة وبقائها.
*3*الآية : 267 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}
فيه إحدى عشرة مسألة :
(3/320)
________________________________________
ألا يتطوعوا إلا بمختار جيد. والآية تعم الوجهين ، لكن صاحب الزكاة تعلق بأنها مأمور بها والأمر على الوجوب ، وبأنه نهى عن الرديء وذلك مخصوص بالفرض ، وأما التطوع فكما للمرء أن يتطوع بالقليل فكذلك له أن يتطوع بنازل في القدر ، ودرهم خير من تمرة. تمسك أصحاب الندب بأن لفظة افْعَلْ صالح للندب صلاحيته للفرض ، والرديء منهي عنه في النقل كما هو منهي عنه في الفرض ، والله أحق من اختير له. وروى البراء أن رجلا علق قِنْوَ حَشَف ، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " بئسما علق" فنزلت الآية ، خرجه الترمذي وسيأتي بكماله. والأمر على هذا القول على الندب ، ندبوا إلى ألا يتطوعوا إلا بجيد مختار. وجمهور المتأولين قالوا : معنى { من طيبات} من جيد ومختار { ما كسبتم}. وقال ابن زيد : من حلال {ما كسبتم}.
الثانية : - الكسب يكون بتعب بدن وهي الإجارة وسيأتي حكمها ، أو مقاولة في تجارة وهو البيع وسيأتي بيانه. والميراث داخل في هذا ، لأن غير الوارث قد كسبه. قال سهل بن عبدالله : وسئل ابن المبارك عن الرجل يريد أن يكتسب وينوي باكتسابه أن يصل به الرحم وأن يجاهد ويعمل الخيرات ويدخل في آفات الكسب لهذا الشأن. قال : إن كان معه قوام من العيش بمقدار ما يكف نفسه عن الناس فترك هذا أفضل ، لأنه إذا طلب حلالا وأنفق في حلال سئل عنه وعن وكسبه وعن إنفاقه ، وترك ذلك زهد فإن الزهد في ترك الحلال.
الثالثة : - قال ابن خويز منداد : ولهذه الآية جاز للوالد أن يأكل من كسب ولده ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "أولادكم من طيب أكسابكم فكلوا من أموال أولادكم هنيئا".
الرابعة : - قوله تعالى : { وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ} يعني النبات والمعادن والركاز ، وهذه أبواب ثلاثة تضمنتها هذه الآية. أما النبات فروى الدارقطني عن عائشة رضي الله عنها قالت : جرت السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم " ليس فيما دون خمسة
(3/321)
________________________________________
أوسق زكاة". والوَسْق ستون صاعا ، فذلك ثلاثمائة صاع من الحنطة والشعير والتمر والزبيب. وليس فيما أنبتت الأرض من الخضر زكاة. وقد احتج قوم لأبي حنيفة بقول الله تعالى : {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ} [البقرة : 267] وإن ذلك عموم في قليل ما تخرجه الأرض وكثيره وفي سائر الأصناف ، ورأوا ظاهر الأمر الوجوب. وسيأتي بيان هذا في "الأنعام" مستوفى. وأما المعدن فروى الأئمة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " العجماء جرحها جُبَار والبئر جبار والمعدن جبار وفي الركاز الخمس ". قال علماؤنا : لما قال صلى الله عليه وسلم : "وفي الركاز الخمس " دل على أن الحكم في المعادن غير الحكم في الركاز ، لأنه صلى الله عليه وسلم قد فصل بين المعادن والركاز بالواو الفاصلة ، ولو كان الحكم فيهما سواء لقال والمعدن جبار وفيه الخمس ، فلما قال "وفي الركاز الخمس" علم أن حكم الركاز غير حكم المعدن فيما يؤخذ منه ، والله أعلم.
والركاز أصله في اللغة ما ارتكز بالأرض من الذهب والفضة والجواهر ، وهو عند سائر الفقهاء كذلك ، لأنهم يقولون في الندرة التي توجد في المعدن مرتكزة بالأرض لا تنال بعمل ولا بسعي ولا نصب ، فيها الخمس ، لأنها ركاز. وقد روى عن مالك أن الندرة في المعدن حكمها حكم ما يتكلف فيه العمل مما يستخرج من المعدن في الركاز ، والأول تحصيل مذهبه وعليه فتوى جمهور الفقهاء. وروى عبدالله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن جده عن أبي هريرة قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الركاز قال : "الذهب الذي خلق الله في الأرض يوم خلق السماوات والأرض". عبدالله بن سعيد هذا متروك الحديث ، ذكر ذلك ابن أبي حاتم. وقد روى من طريق أخرى عن أبي هريرة ولا يصح ، ذكره الدارقطني. ودفن الجاهلية لأموالهم عند جماعة العلماء ركاز أيضا لا يختلفون فيه إذا كان
(3/322)
________________________________________
دفنه قبل الإسلام من الأموال العادية ، وأما ما كان من ضرب الإسلام فحكمه عندهم حكم اللقطة.
الخامسة : - واختلفوا في حكم الركاز إذا وجد ، فقال مالك : ما وجد من دفن الجاهلية في أرض العرب أو في فيافي الأرض التي ملكها المسلمون بغير حرب فهو لواجده وفيه الخمس ، وأما ما كان في أرض الإسلام فهو كاللقطة. قال : وما وجد من ذلك في أرض العنوة فهو للجماعة الذين افتتحوها دون واجده ، وما وجد من ذلك في أرض الصلح فإنه لأهل تلك البلاد دون الناس ، ولا شيء للواجد فيه إلا أن يكون من أهل الدار فهو له دونهم. وقيل : بل هو لجملة أهل الصلح. قال إسماعيل : وإنما حكم للركاز بحكم الغنيمة لأنه مال كافر وجده مسلم فأنزل منزلة من قاتله وأخذ ماله ، فكان له أربعة أخماسه. وقال ابن القاسم : كان مالك يقول في العروض والجواهر والحديد والرصاص ونحوه يوجد ركازا : إن فيه الخمس ثم رجع فقال : لا أرى فيه شيئا ، ثم آخر ما فارقناه أن قال : فيه الخمس. وهو الصحيح لعموم الحديث وعليه جمهور الفقهاء. وقال أبو حنيفة ومحمد في الركاز يوجد في الدار : إنه لصاحب الدار دون الواجد وفيه الخمس. وخالفه أبو يوسف فقال : إنه للواجد دون صاحب الدار ، وهو قول الثوري : وان وجد في الفلاة فهو للواجد في قولهم جميعا وفيه الخمس. ولا فرق عندهم بين أرض الصلح وأرض العنوة ، وسواء عندهم أرض العرب وغيرها ، وجائز عندهم لواجده أن يحتبس الخمس لنفسه إذا كان محتاجا وله أن يعطيه للمساكين. ومن أهل المدينة وأصحاب مالك من لا يفرق بين شيء من ذلك وقالوا : سواء وجد الركاز في أرض العنوة أو في أرض الصلح أو أرض العرب أو أرض الحرب إذا لم يكن ملكا لأحد ولم يدعه أحد فهو لواجده وفيه الخمس على عموم ظاهر الحديث ، وهو قول الليث وعبدالله بن نافع والشافعي وأكثر أهل العلم.
السادسة : - وأما ما يوجد من المعادن ويخرج منها فاختلف فيه ، فقال مالك وأصحابه : لا شيء فيما يخرج من المعادن من ذهب أو فضة حتى يكون عشرين مثقالا ذهبا أو خمس
(3/323)
________________________________________
أواق فضة ، فإذا بلغتا هذا المقدار وجبت فيهما الزكاة ، وما زاد فبحساب ذلك ما دام في المعدن نيل ، فإن انقطع ثم جاء بعد ذلك نيل آخر فإنه تبتدأ فيه الزكاة مكانه. والركاز عندهم بمنزلة الزرع تؤخذ منه الزكاة في حينه ولا ينتظر به حولا. قال سحنون في رجل له معادن : إنه لا يضم ما في واحد منها إلى غيرها ولا يزكى إلا عن مائتي درهم أو عشرين دينارا في كل واحد. وقال محمد بن مسلمة : يضم بعضها إلى بعض ويزكى الجميع كالزرع. وقال أبو حنيفة وأصحابه : المعدن كالركاز ، فما وجد في المعدن من ذهب أو فضة بعد إخراج الخمس اعتبر كل واحد منهما ، فمن حصل بيده ما تجب فيه الزكاة زكاه لتمام الحول إن أتى عليه حول وهو نصاب عنده ، هذا إذا لم يكن عنده ذهب أو فضة وجبت فيه الزكاة. فإن كان عنده من ذلك ما تجب فيه الزكاة ضمه إلى ذلك وزكاه. وكذلك عندهم كل فائدة تضم في الحول إلى النصاب من جنسها وتزكى لحول الأصل ، وهو قول الثوري. وذكر المزني عن الشافعي قال : وأما الذي أنا واقف فيه فما يخرج من المعادن. قال المزني : الأولى به على أصله أن يكون ما يخرج من المعدن فائدة يزكى بحوله بعد إخراجه. وقال الليث بن سعد : ما يخرج من المعادن من الذهب والفضة فهو بمنزلة الفائدة يستأنف به حولا ، وهو قول الشافعي فيما حصله المزني من مذهبه ، وقال به داود وأصحابه إذا حال عليها الحول عند مالك صحيح الملك لقوله صلى الله عليه وسلم : "من استفاد مالا فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول" أخرجه الترمذي والدارقطني. واحتجوا أيضا بما رواه عبدالرحمن بن أنعم عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى قوما من المؤلفة قلوبهم ذهيبة في تربتها ، بعثها علي رضي الله عنه من اليمن. قال الشافعي : والمؤلفة قلوبهم حقهم في الزكاة ، فتبين بذلك أن المعادن سنتها سنة الزكاة. وحجة مالك حديث عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث المعادن القبلية وهي من ناحية الفرع ، فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلى اليوم إلا الزكاة. وهذا
(3/324)
________________________________________
حديث منقطع الإسناد لا يحتج بمثله أهل الحديث ، ولكنه عمل يعمل به عندهم في المدينة. ورواه الدراوردي عن ربيعة عن الحارث بن بلال المزني عن أبيه. ذكره البزار ، ورواه كثير بن عبدالله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أقطع بلال بن الحارث المعادن القبلية جلسيها وغوريها. وحيث يصلح للزرع من قدس ولم يعطه حق مسلم ، ذكره البزار أيضا ، وكثير مجمع على ضعفه. هذا حكم ما أخرجته الأرض ، وسيأتي في سورة [النحل] حكم ما أخرجه البحر إذ هو قسيم الأرض. ويأتي في "الأنبياء" معنى قوله عليه السلام : " العجماء جرحها جبار" كل في موضعه إن شاء الله تعالى.
السابعة : - قوله تعالى : {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} تيمموا معناه تقصدوا ، وستأتي الشواهد من أشعار العرب في أن التيمم القصد في "النساء" إن شاء الله تعالى. ودلت الآية على أن المكاسب فيها طيب وخبيث. وروى النسائي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف في الآية التي قال الله تعالى فيها : {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} قال : هو الجعرور ولون حبيق ، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤخذا في الصدقة. وروى الدارقطني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة فجاء رجل من هذا السحل بكبائس قال سفيان : يعني الشيص - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من جاء بهذا" ؟ وكان لا يجيء أحد بشيء إلا نسب إلى الذي جاء به. فنزلت : {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} قال : ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الجعرور ولون الحبيق أن يؤخذا في الصدقة - قال الزهري : لونين من
(3/325)
________________________________________
تمر المدينة - وأخرجه الترمذي من حديث البراء وصححه ، وسيأتي. وحكى الطبري والنحاس أن في قراءة عبدالله "ولا تأمموا" وهما لغتان. وقرأ مسلم بن جندب "ولا تيمموا" بضم التاء وكسر الميم. وقرأ ابن كثير "تيمموا" بتشديد التاء. وفي اللفظة لغات ، منها "أممت الشيء" مخففة الميم الأولى و"أممته" بشدها ، و"يممته وتيممته". وحكى أبو عمرو أن ابن مسعود قرأ "ولا تؤمموا" بهمزة بعد التاء المضمومة.
الثامنة : - قوله تعالى : {مِنْهُ تُنْفِقُونَ} قال الجرجاني في كتاب "نظم القرآن" : قال فريق من الناس : إن الكلام تم في قوله تعالى {الخبيث} ثم ابتدأ خبرا آخر في وصف الخبيث فقال : {منه تنفقون} وأنتم لا تأخذونه إلا إذا أغمضتم أي تساهلتم ، كأن هذا المعنى عتاب للناس وتقريع. والضمير في "منه" عائد على الخبيث وهو الدون والرديء. قال الجرجاني : وقال فريق آخر : الكلام متصل إلى قوله "منه" ، فالضمير في "منه" عائد على "ما كسبتم" ويجيء "تنفقون" كأنه في موضع نصب على الحال ، وهو كقولك : أنا أخرج أجاهد في سبيل الله.
التاسعة : - قوله تعالى : { وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ} أي لستم بآخذيه في ديونكم وحقوقكم من الناس إلا أن تتساهلوا في ذلك وتتركوا من حقوقكم ، وتكرهونه ولا ترضونه. أي فلا تفعلوا مع الله ما لا ترضونه لأنفسكم ، قال معناه البراء بن عازب وابن عباس والضحاك. وقال الحسن : معنى الآية : ولستم بآخذيه ولو وجدتموه في السوق يباع إلا أن يهضم لكم من ثمنه. وروي نحوه عن علي رضي الله عنه. قال ابن عطية : وهذان القولان يشبهان كون الآية في الزكاة الواجبة. قال ابن العربي : لو كانت في الفرض لما قال "ولستم بآخذيه" لأن الرديء والمعيب لا يجوز أخذه في الفرض بحال ، لا مع تقدير الإغماض ولا مع عدمه ، وإنما يؤخذ مع عدم إغماض في النفل. وقال البراء بن عازب أيضا معناه : {وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ} لو أهدى لكم {إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ} أي تستحي من المهدي فتقبل منه ما لا حاجة لك به ولا قدر له في نفسه. قال ابن عطية : وهذا يشبه كون الآية في التطوع. وقال ابن زيد : ولستم بآخذي الحرام إلا أن تغمضوا في مكروهه.
(3/326)
________________________________________
العاشرة : - قوله تعالى : {إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ} كذا قراءة الجمهور ، من أغمض الرجل في أمر كذا إذا تساهل فيه ورضي ببعض حقه وتجاوز ، ومن ذلك قول الطرماح :
لم يفتنا بالوتر قوم وللذ ... ل أناس يرضون بالإغماض
وقد يحتمل أن يكون منتزعا إما من تغميض العين ، لأن الذي يريد الصبر على مكروه يغمض عينيه - قال :
إلى كم وكم أشياء منك تريبني ... أغمض عنها لست عنها بذي عمى
وهذا كالإغضاء عند المكروه. وقد ذكر النقاش هذا المعنى في هذه الآية - وأشار إليه مكي - وإما من قول العرب : أغمض الرجل إذا أتى غامضا من الأمر ، كما تقول : أعمن أي أتى عمان ، وأعرق أي أتى العراق ، وأنجد وأغور أي أتى نجدا والغور الذي هو تهامة ، أي فهو يطلب التأويل على أخذه. وقرأ الزهري بفتح التاء وكسر الميم مخففا ، وعنه أيضا. "تغمضوا" بضم التاء وفتح الغين وكسر الميم وشدها. فالأولى على معنى تهضموا سومها من البائع منكم فيحطكم. والثانية ، وهى قراءة قتادة فيما ذكر النحاس ، أي تأخذوا بنقصان. وقال أبو عمرو الداني : معنى قراءتي الزهري حتى تأخذوا بنقصان. وحكى مكي عن الحسن "إلا أن تغمضوا" مشددة الميم مفتوحة. وقرأ قتادة أيضا "تغمضوا" بضم التاء وسكون الغين وفتح الميم مخففا. قال أبو عمرو الداني : معناه إلا أن يغمض لكم ، وحكاه النحاس عن قتادة نفسه. وقال ابن جني : معناها توجدوا قد غمضتم في الأمر بتأولكم أو بتساهلكم وجريتم على غير السابق إلى النفوس. وهذا كما تقول : أحمدت الرجل وجدته محمودا ، إلى غير ذلك من الأمثلة. قال ابن عطية : وقراءة الجمهور تخرج على التجاوز وعلى تغميض العين ، لأن أغمض بمنزلة غمض. وعلى أنها بمعنى حتى تأتوا غامضا من التأويل والنظر في أخذ ذلك ، إما لكونه حراما على قول ابن زيد ، وإما لكونه مهدى أو مأخوذا في دين على قول غيره.
(3/327)
________________________________________
وقال المهدوي : ومن قرأ "تغمضوا" فالمعنى تغمضون أعين بصائركم عن أخذه. قال الجوهري : وغمضت عن فلان إذا تساهلت عليه في بيع أو شراء وأغمضت ، وقال تعالى : {وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ} [البقرة : 267]. يقال : أغمض لي فيما بعتني ، كأنك تريد الزيادة منه لرداءته والحط من ثمنه. و"أن" في موضع نصب ، والتقدير إلا بأن.
الحادية عشرة : - قوله تعالى : { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } نبه سبحانه وتعالى على صفة الغني ، أي لا حاجة به إلى صدقاتكم ، فمن تقرب وطلب مثوبة فليفعل ذلك بما له قدر وبال ، فإنما يقدم لنفسه. و"حميد" معناه محمود في كل حال. وقد أتينا على معاني هذين الاسمين في "الكتاب الأسنى" والحمد لله. قال الزجاج في قوله : {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} : أي لم يأمركم أن تصدقوا من عوز ولكنه بلا أخباركم فهو حميد على ذلك على جميع نعمه.
*3*الآية : 268 {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}
فيه ثلاث مسائل :
الاولى : - قوله تعالى : { الشَّيْطَانُ} تقدم معنى الشيطان واشتقاقه فلا معنى لإعادته. و"يعدكم" معناه يخوفكم "الفقر" أي بالفقر لئلا تنفقوا. فهذه الآية متصلة بما قبل ، وأن الشيطان له مدخل في التثبيط للإنسان عن الإنفاق في سبيل الله ، وهو مع ذلك يأمر بالفحشاء وهي المعاصي والإنفاق فيها. وقيل : أي بأن لا تتصدقوا فتعصوا وتتقاطعوا. وقرئ "الفُقْر" بضم الفاء وهي لغة. قال الجوهري : والفقر لغة في الفقر ، مثل الضُّعف والضَّعف.
الثانية : - قوله تعالى : {وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً} الوعد في كلام العرب إذا أطلق فهو في الخير ، وإذا قيد بالموعود ما هو فقد يقدر بالخير وبالشر كالبشارة. فهذه الآية مما يقيد فيها الوعد بالمعنيين جميعا. قال ابن عباس : في هذه الآية اثنتان من الله تعالى واثنتان من الشيطان. وروى الترمذي عن عبدالله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(3/328)
________________________________________
" إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله ، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان - ثم قرأ – {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ} ". قال : هذا حديث حسن صحيح. ويجوز في غير القرآن "ويأمركم الفحشاء" بحذف الباء ، وأنشد سيبويه :
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نشب
والمغفرة هي الستر على عباده في الدنيا والآخرة. والفضل هو الرزق في الدنيا والتوسعة والنعيم في الآخرة ، وبكل قد وعد الله تعالى.
الثالثة : - ذكر النقاش أن بعض الناس تأنس بهذه الآية في أن الفقر أفضل من الغنى ، لأن الشيطان إنما يبعد العبد من الخير ، وهو بتخويفه الفقر يبعد منه. قال ابن عطية : وليس في الآية حجة قاطعة بل المعارضة بها قوية. وروي أن في التوراة "عبدي أنفق من رزقي أبسط عليك فضلي فإن يدي مبسوطة على كل يد مبسوطة". وفي القرآن مصداقه وهو قوله : "{وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبأ : 39]. ذكره ابن عباس. { وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} تقدم معناه. والمراد هنا أنه سبحانه وتعالى يعطي من سعة ويعلم حيث يضع ذلك ، ويعلم الغيب والشهادة. وهما اسمان من أسمائه ذكرناهما في جملة الأسماء في "الكتاب الأسنى" والحمد لله.
*3*الآية : 269 {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ}
(3/329)
________________________________________
قوله تعالى : {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ} " أي يعطيها لمن يشاء من عباده. واختلف العلماء في الحكمة هنا ، فقال السدي : هي النبوة. ابن عباس : هي المعرفة بالقرآن فقهه ونسخه ومحكمه ومتشابهه وغريبه ومقدمه ومؤخره. وقال قتادة ومجاهد : الحكمة هي الفقه في القرآن. وقال مجاهد : الإصابة في القول والفعل. وقال ابن زيد : الحكمة العقل في الدين. وقال مالك بن أنس : الحكمة المعرفة بدين الله والفقه فيه والاتباع له. وروى عنه ابن القاسم أنه قال : الحكمة التفكر في أمر الله والاتباع له. وقال أيضا : الحكمة طاعة الله والفقه في الدين والعمل به. وقال الربيع بن أنس : الحكمة الخشية. وقال إبراهيم النخعي : الحكمة الفهم في القرآن ، وقاله زيد بن أسلم. وقال الحسن : الحكمة الورع.
قلت : وهذه الأقوال كلها ما عدا السدي والربيع والحسن قريب بعضها من بعض ، لأن الحكمة مصدر من الإحكام وهو الإتقان في قول أو فعل ، فكل ما ذكر فهو نوع من الحكمة التي هي الجنس ، فكتاب الله حكمة ، وسنة نبيه حكمة ، وكل ما ذكر من التفضيل فهو حكمة. وأصل الحكمة ما يمتنع به من السفه ، فقيل للعلم حكمة ، لأنه يمتنع به ، وبه يعلم الامتناع من السفه وهو كل فعل قبيح ، وكذا القرآن والعقل والفهم. وفي البخاري : "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" وقال هنا : {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} وكرر ذكر الحكمة ولم يضمرها اعتناء بها ، وتنبيها على شرفها وفضلها حسب ما تقدم بيانه عند قوله تعالى : {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً} [البقرة : 59]. وذكر الدارمي أبو محمد في مسنده : حدثنا مروان بن محمد حدثنا رفدة الغساني قال : أخبرنا ثابت بن عجولان الأنصاري قال : كان يقال : إن الله يريد العذاب بأهل الأرض فإذا سمع تعليم المعلم الصبيان الحكمة صرف ذلك عنهم. قال مروان : يعني بالحكمة القرآن.
قوله تعالى : {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ} يقال : إن من أعطي الحكمة والقرآن فقد أعطي أفضل ما أعطي من جمع علم كتب الأولين
(3/330)
________________________________________
من الصحف وغيرها ، لأنه قال لأولئك : "{وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } [الإسراء : 85]. وسمى هذا خيرا كثيرا ، لأن هذا هو جوامع الكلم. وقال بعض الحكماء : من أعطي العلم والقرآن ينبغي أن يعرف نفسه ، ولا يتواضع لأهل الدنيا لأجل دنياهم ، فإنما أعطي أفضل ما أعطي أصحاب الدنيا ، لأن الله تعالى سمى الدنيا متاعا قليلا فقال : {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ} وسمى العلم والقرآن {خَيْراً كَثِيراً} . وقرأ الجمهور "ومن يؤت" على بناء الفعل للمفعول. وقرأ الزهري ويعقوب "ومن يؤت" بكسر التاء على معنى ومن يؤت الله الحكمة ، فالفاعل اسم الله عز وجل. و"من" مفعول أول مقدم ، والحكمة مفعول ثان. والألباب : العقول ، واحدها لب وقد تقدم.
*3*الآية : 270 {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}
شرط وجوابه ، وكانت النذور من سيرة العرب تكثر منها ، فذكر الله تعالى النوعين ، ما يفعله المرء متبرعا ، وما يفعله بعد إلزامه لنفسه. وفي الآية معنى الوعد والوعيد ، أي من كان خالص النية فهو مثاب ، ومن أنفق رياء أو لمعنى آخر مما يكسبه المن والأذى ونحو ذلك فهو ظالم ، يذهب فعله باطلا ولا يجد له ناصرا فيه. ومعنى "يعلمه" يحصيه ، قاله مجاهد. ووحد الضمير وقد ذكر شيئين ، فقال النحاس : التقدير {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ} فإن الله يعلمها ، {أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ} ثم حذف. ويجوز أن يكون التقدير : وما أنفقتم فإن الله يعلمه وتعود الهاء على "ما" كما أنشد سيبويه لامرئ القيس :
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها ... لما نسجتها من جنوب وشمأل
ويكون { أو نذرتم من نذر } معطوفا عليه. قال ابن عطية : ووحد الضمير في {يعلمه} وقد ذكر شيئين من حيث أراد ما ذكر أو نص.
(3/331)
________________________________________
قلت : وهذا حسن : فإن الضمير قد يراد به جميع المذكور وإن كثر. والنذر حقيقة العبارة عنه أن تقول : هو ما أوجبه المكلف على نفسه من العبادات مما لو لم يوجبه لم يلزمه ، تقول : نذر الرجل كذا إذا التزم فعله ، ينذر - بضم الذال - وينذر - بكسرها - . وله أحكام يأتي بيانها في غير هذا الوضع إن شاء الله تعالى.
*3*الآية : 271 { إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}
ذهب جمهور المفسرين إلى أن هذه الآية في صدقة التطوع ، لأن الإخفاء فيها أفضل من الإظهار ، وكذلك سائر العبادات الإخفاء أفضل في تطوعها لانتفاء الرياء عنها ، وليس كذلك الواجبات. قال الحسن : إظهار الزكاة أحسن ، وإخفاء التطوع أفضل ، لأنه أدل على أنه يراد الله عز وجل به وحده. قال ابن عباس : جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها يقال بسبعين ضعفا ، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها يقال بخمسة وعشرين ضعفا. قال : وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها.
قلت : مثل هذا لا يقال من جهة الرأي وإنما هو توقيف ، وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" وذلك أن الفرائض لا يدخلها رياء والنوافل عرضة لذلك. وروى النسائي عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إ ن الذي يجهر بالقرآن كالذي يجهر بالصدقة والذي يسر بالقرآن كالذي يسر بالصدقة". وفي الحديث : "صدقة السر تطفئ غضب الرب".
قال ابن العربي : وليس في تفضيل صدقة العلانية على السر ، ولا تفضيل صدقة السر على العلانية حديث صحيح ولكنه الإجماع الثابت ، فأما صدقة النفل فالقرآن ورد مصرحا
(3/332)
________________________________________
بأنها في السر أفضل منها في الجهر ، بيد أن علماءنا قالوا : إن هذا على الغالب مخرجه ، والتحقيق فيه أن الحال في الصدقة تختلف بحال المعطي لها والمعطى إياها والناس الشاهدين لها. أما المعطي فله فيها فائدة إظهار السنة وثواب القدوة.
قلت : هذا لمن قويت حاله وحسنت نيته وأمن على نفسه الرياء ، وأما من ضعف عن هذه المرتبة فالسر له أفضل.
وأما المعطى إياها فإن السر له أسلم من احتقار الناس له ، أو نسبته إلى أنه أخذها مع الغنى عنها وترك التعفف ، وأما حال الناس فالسر عنهم أفضل من العلانية لهم ، من جهة أنهم ربما طعنوا على المعطي لها بالرياء وعلى الآخذ لها بالاستغناء ، ولهم فيها تحريك القلوب إلى الصدقة ، لكن هذا اليوم قليل.
وقال يزيد بن أبي حبيب : إنما نزلت هذه الآية في الصدقة على اليهود والنصارى ، فكان يأمر بقسم الزكاة في السر. قال ابن عطية : وهذا مردود ، لا سيما عند السلف الصالح ، فقد قال الطبري : أجمع الناس على أن إظهار الواجب أفضل.
قلت : ذكر الكيا الطبري أن في هذه الآية دلالة على قول إخفاء الصدقات مطلقا أولى ، وأنها حق الفقير وأنه يجوز لرب المال تفريقها بنفسه ، على ما هو أحد قولي الشافعي. وعلى القول الآخر ذكروا أن المراد بالصدقات ههنا التطوع دون الفرض الذي إظهاره أولى لئلا يلحقه تهمة ، ولأجل ذلك قيل : صلاة النفل فرادى أفضل ، والجماعة في الفرض أبعد عن التهمة. وقال المهدوي : المراد بالآية فرض الزكاة وما تطوع به ، فكان الإخفاء أفضل في مدة النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم ساءت ظنون الناس بعد ذلك ، فاستحسن العلماء إظهار الفرائض لئلا يظن بأحد المنع. قال ابن عطية : وهذا القول مخالف للآثار ، ويشبه في زماننا أن يحسن التستر بصدقة الفرض ، فقد كثر المانع لها وصار إخراجها عرضة للرياء. وقال ابن خويز منداد : وقد يجوز أن يراد بالآية الواجبات من الزكاة والتطوع ، لأنه ذكر الإخفاء
(3/333)
________________________________________
ومدحه والإظهار ومدحه ، فيجوز أن يتوجه إليهما جميعا. وقال النقاش : إن هذه الآية نسخها قوله تعالى : {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلانِيَةً} [البقرة : 274] الآية.
قوله تعالى : { فَنِعِمَّا هِيَ} " ثناء على إبداء الصدقة ، ثم حكم على أن الإخفاء خير من ذلك. ولذلك قال بعض الحكماء : إذا اصطنعت المعروف فاستره ، وإذا اصطنع إليك فانشره. قال دعبل الخزاعي :
إذا انتقموا أعلنوا أمرهم ... وإن أنعموا باكتتام
وقال سهل بن هارون :
وقال العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه : لا يتم المعروف إلا بثلاث خصال : تعجيله وتصغيره وستره ، فإذا أعجلته هنيته ، وإذا صغرته عظمته ، وإذا سترته أتممته. وقال بعض الشعراء فأحسن :
زاد معروفك عندي عظما ... أنه عندك مستور حقير
تتناساه كأن لم تأته ... وهو عند الناس مشهور خطير
واختلف القراء في قول "فنعما هي" فقرأ أبو عمرو ونافع في رواية ورش وعاصم في رواية حفص وابن كثير {فنعما هي} بكسر النون والعين. وقرأ أبو عمرو أيضا ونافع في غير رواية ورش وعاصم في رواية أبي بكر والمفضل "فنعما" بكسر النون وسكون العين. وقرأ الأعمش وابن عامر وحمزة والكسائي "فنعما" بفتح النون وكسر العين ، وكلهم سكن الميم. ويجوز في غير القرآن فنعم ما هي. قال النحاس : ولكنه في السواد متصل فلزم الإدغام. وحكى النحويون في "نعم" أربع لغات : نعم الرجل زيد ، هذا الأصل. ونعم الرجل ، بكسر النون لكسر العين. ونعم الرجل ، بفتح النون وسكون العين ، والأصل نعم حذفت الكسرة لأنها ثقيلة. ونعم الرجل ، وهذا أفضل اللغات ، والأصل فيها نَعِم. وهي تقع في كل مدح ، فخففت وقلبت كسرة العين على النون وأسكنت العين ، فمن قرأ "فنعما هي" فله تقديران : أحدهما أن يكون جاء به على لغة من يقول نِعِم. والتقدير الآخر أن يكون على
(3/334)
________________________________________
اللغة الجيدة ، فيكون الأصل نِعْمَ ، ثم كسرت العين لالتقاء الساكنين. قال النحاس : فأما الذي حكي عن أبي عمرو ونافع من إسكان العين فمحال. حكي عن محمد بن يزيد أنه قال : أما إسكان العين والميم مشددة فلا يقدر أحد أن ينطق به ، وإنما يروم الجمع بين ساكنين ويحرك ولا يأبه. وقال أبو علي : من قرأ بسكون العين لم يستقم قوله ، لأنه جمع بين ساكنين الأول منهما ليس بحرف مد ولين وإنما يجوز ذلك عند النحويين إذا كان الأول حرف مد ، إذ المد يصير عوضا من الحركة ، وهذا نحو دابة وضوال ونحوه. ولعل أبا عمرو أخفى الحركة واختلسها كأخذه بالإخفاء في "بارئكم - و - يأمركم" فظن السامع الإخفاء إسكانا للطف ذلك في السمع وخفائه. قال أبو علي : وأما من قرأ "نعما" بفتح النون وكسر العين فإنما جاء بالكلمة على أصلها ومنه قول الشاعر :
ما أقلت قدماي إنهم ... نعم الساعون في الأمر المبر
قال أبو علي : و"ما" من قوله تعالى : {نِعِمَّا} في موضع نصب ، وقوله {هي } تفسير للفاعل المضمر قبل الذكر ، والتقدير نعم شيئا إبداؤها ، والإبداء هو المخصوص بالمدح إلا أن المضاف حذف وأقيم المضاف إليه مقامه. ويدلك على هذا قوله { فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} أي الإخفاء خير. فكما أن الضمير هنا للإخفاء لا للصدقات فكذلك ، أولا الفاعل هو الإبداء وهو الذي اتصل به الضمير ، فحذف الإبداء وأقيم ضمير الصدقات مثله. {وَإِنْ تُخْفُوهَا} شرط ، فلذلك حذفت النون. {وَتُؤْتُوهَا } عطف عليه. والجواب {فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} . { وَيُكَفِّرُ} اختلف القراء في قراءته ، فقرأ أبو عمرو وابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر وقتادة وابن أبي إسحاق "ونكفر" بالنون ورفع الراء. وقرأ نافع وحمزة والكسائي بالنون والجزم في الراء ، وروي مثل ذلك أيضا عن عاصم. وروى الحسين بن علي الجعفي عن الأعمش "يكفر" بنصب الراء. وقرأ ابن عامر بالياء ورفع الراء ، ورواه حفص عن عاصم ، وكذلك روي عن الحسن ، وروي عنه بالياء والجزم. وقرأ ابن عباس "وتكفر" بالتاء وكسر الفاء وجزم الراء. وقرأ
(3/335)
________________________________________
عكرمة "وتكفر" بالتاء وفتح الفاء وجزم الراء. وحكى المهدوي عن ابن هرمز أنه قرأ "وتكفر" بالتاء ورفع الراء. وحكي عن عكرمة وشهر بن حوشب أنهما قرآ بتاء ونصب الراء. فهذه تسع قراءات أبينها "ونكفر" بالنون والرفع. هذا قول الخليل وسيبويه. قال النحاس : قال سيبويه : والرفع ههنا الوجه وهو الجيد ، لأن الكلام الذي بعد الفاء يجري مجراه في غير الجزاء. وأجاز الجزم بحمله على المعنى ، لأن المعنى وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء يكن خيرا لكم ونكفر عنكم. وقال أبو حاتم : قرأ الأعمش "يكفر" بالياء دون واو قبلها. قال النحاس : والذي حكاه أبو حاتم عن الأعمش بغير واو جزما يكون على البدل كأنه في موضع الفاء. والذي روي عن عاصم "ويكفر" بالياء والرفع يكون معناه ويكفر الله ، هذا قول أبي عبيد. وقال أبو حاتم : معناه يكفر الإعطاء. وقرأ ابن عباس "وتكفر" يكون معناه وتكفر الصدقات. وبالجملة فما كان من هذه القراءات بالنون فهي نون العظمة ، وما كان منها بالتاء فهي الصدقة فاعلمه ، إلا ما روي عن عكرمة من فتح الفاء فإن التاء في تلك القراءة إنما هي للسيئات ، وما كان منها بالياء فالله تعالى هو المكفر ، والإعطاء في خفاء مكفر أيضا كما ذكرنا ، وحكاه مكي. وأما رفع الراء فهو على وجهين : أحدهما أن يكون الفعل خبر ابتداء تقديره ونحن نكفر أو وهي تكفر ، أعني الصدقة ، أو والله يكفر. والثاني القطع والاستئناف لا تكون الواو العاطفة للاشتراك لكن تعطف جملة كلام على جملة. وقد ذكرنا معنى قراءة الجزم. فأما نصب "ونكفر" فضعيف وهو على إضمار أن وجاز على بُعْد. قال المهدوي : وهو مشبه بالنصب في جواب الاستفهام ، إذ الجزاء يجب به الشيء لوجوب غيره كالاستفهام. والجزم في الراء أفصح هذه القراءات ، لأنها تؤذن بدخول التكفير في الجزاء وكونه مشروطا إن وقع الإخفاء. وأما الرفع فليس فيه هذا المعنى.
قلت : هذا خلاف ما اختاره الخليل وسيبويه. و"من" في قوله { مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ} للتبعيض المحض. وحكى الطبري عن فرقة أنها زائدة. قال ابن عطية : وذلك منهم خطأ. {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} وعد ووعيد.
(3/336)

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
كتاب الجامع لأحكام القرآن
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
» كتاب الجامع لأحكام القرآن
» كتاب الجامع لأحكام القرآن
» كتاب الجامع لأحكام القرآن
» كتاب الجامع لأحكام القرآن
» كتاب الجامع لأحكام القرآن

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات ابناء الدويم :: المنتدى الإسلامي-
انتقل الى: